حتى الموت كان أشهى هناك


 

اليوم، وأنتَ تقف على شرفتك التي تطل على مشهد باذخ، تشرب قهوتك بفنجان أنيق جميل الشكل والطراز، وثمة من يعد لك القهوة بأجود أنواع البّن؛ إلا إنك لا تشعر بالمذاق العتيق للبن، ذاك المذاق الذي كان يضرب خلايا الدماغ من الرشفة الأولى؛ حينها يراودك سؤال:

من منكم قد تغيّر أنت، أم البن؟
أنت من تغيّر، أم الزمن؟
أنت من تصدع وجدانه، أم الحنين؟
وما هو الحنين؟ هو التفاصيل البسيطة!

وما هي التفاصيل؟
هي ما تناثر يد الأيام دونما اهتمام منك. هي التفاصيل الصغيرة التي تلملمها الذاكرة دون أن تشعر لتخبئها في صناديق لا يطالها الوعي ولا تحضرك إلا بعد أن تهدأ أعصاب الزحام يتوقف من حولك الصخب. عندما يتغيّر شكل الحاضر ويصبح كل ما فيه ومن فيه موحشاً؛ عندها تقوم لتبحث عن صورة أجمل، فلا تجدها إلا في دهاليز الماضي ولهذا يصبح الماضي هو زمنك الجميل.

صوت أغنية قديمة من ذاك الزمن، من بعيد يتسلل إلى شبابيك مسامعك. صوت وكأنه الحلُم، بلحظة أو ربما بهمسة يقلب لك تاريخ الذاكرة، يقطع شريان القلب من الحنين إلى الحنين فينزف منه دم الذكريات. تبكيك الأغنية لا لأنها حزينة؛ بل لأنها من زمن بت تدرك بأنه لن يعود.

تحنُّ لامحالة:
لحيطان الطين ولأشجار التوت والتين، إلى بيوت كانت تضيئها قناديل، لعتبة الدار العتيق إلى نسوة يتقاسمن أطراف الكلام بود كبير، لإبريق الشاي النحاسي وأقداح بأعناق مذهّبة بها نكهة الحب الجميل.

للشبابيك القديمة بإطارات خشبية تفوح منها رائحة الدهان البسيط، وستائر مشجرة لها طعم الدراق يوم كان يفوح من مزارع الوطن الكريم.

لئيمة هي الذاكرة حين تأخذك على حين لهفة من خاصرة حاضرك الموجع والكئيب إلى زمن صار أطلالاً خلف تلال النسيان؛ وكأنها تسافر بك على متن مركبة الزمن العجيبة. فتنطوي المسافات، وينتهي الوقت وتتوقف دقاته. بنرجسية مخلوطة بسادية، تدور بك الذاكرة كساعة رملية، تقصيك عن الحاضر، تجتثك من جذور واقعك

التعيس؛ لتلقي بك على رمال الزمن الجميل، تسوقك إلى الحارات القديمة، تتجول بك في الأروقة الضيقة فتجد ملامح طفولتك الأولى مكتوبة على الحيطان بالطبشور، هي نفسها الحيطان التي انهدمت وأصبحت مبان شاهقة لم يبق منها أي شيء وحدها ذاكرتك هي شاهد حنين عليها تجثو على أرصفة الذهول تتساءل: كيف تفعل الذاكرة كل هذا، وكيف بمقدورها أن تجسد النقش القديم وكأنه الآن قد حدث؟

نحن من أساء وشوه الحاضر بحماقاتنا الكبيرة وانشغالنا إلى درجة الهوس بالتقنيات إلى أن تدنى منسوب إحساسنا بكل شيء. إلى أن ضرب الصقيع أشجار عواطفنا وذبلت أوراق المحبة وبات كل واحد منا يعيش على الاكتفاء الذاتي من محصول العاطفة الضيق والأناني وأصبحنا نتبنى مبدأ ” اللهم أسألك نفسي ومزاجي”

على مواقع التواصل نتعاطى كل شيء: أفراحنا، أحزاننا، سخافاتنا، وحتى موتانا أصبحنا ندفنهم على مرأى الجميع ونبث لحظة الدفن وكأننا نبث حفلة ميلا د، من لحظة موته إلى مراسيم تغسيله وتكفينه كله يحدث ببث مباشر، نتقبل التعازي وتقبل منا التعازي برسالة قصيرة على مواقع التواصل حتى وإن كنا في بلد واحد أو في شارع واحد لم يعد لدينا الوقت الكافي لنكون هناك في العزاء الحقيقي.

في الزمن الجميل والقلوب الطيبة؛ كانت المراسلات الورقية هي وسيلة التواصل ما بين الناس؛ كانت الأم تجالس الأرق في ليل الحنين الطويل، تناجي النجوم والغيوم وملائكة السماء لتترأف بقلبها المنفطر على الغيّاب، تغفو على سجادة صلاتها والمسبحة معلقة بأصابعها أو تمسك بسلسلة الصليب ما بين يديها أو توقد الشموع في القدّاس تتوسل الرَّب لعله يزف لها خبر المسافر البعيد. وأم أخرى تطوف حول المحراب واللهفة تمطر من أكمام قلبها وآه من ليل المشتاق والمحموم كم فستانه طويل.

اليوم تعددت وسائل التواصل، لكن لم يعد ما بين الناس تواصل. نعايد الأهل والأحباب بكلمات فقيرة من الإحساس بائسة العاطفة مسبقة الإنشاء والتأليف إلى أن مات الحب وصار مرقده في الزمن القديم، تفرق الأحبّاب وتناثر الشمل الكبير.

نجلس في الساعات نلوم ونجلد الملوك والحكام لبطشهم وظلمهم وطغيانهم وننسى أن نجلد أنفسنا إذ أصبحنا في البيت الواحد وتحت سقف واحد ولا أحد منا يعرف عن الآخر أي شيء ولا أحد يشعر بأحد. ” اللهم أسألك رغبتي ومتعتي وغرائزي”

امتلأ عالمنا بالأجهزة المتطورة لكن عقولنا صارت فارغة. أصبحنا نتواكل على ما نقرأ من المواقع على عجل، وكل شيء نتناوله على عجل التعليم وحتى الحب نعيشه على عجل، قلوبنا خاوية من نبض اللهفة، فالزوج عن زوجته غريب، والأم عن أولادها غريبة، والأخ عن أخيه غريب. فكل واحد منهم حول كعبته يطوف. تصحّرت مشاعر الشعوب وانقرضت المروءة والنخوة، لا أحد يكترث لمن لا ينام ولا يأكل في الخيام. ولا أحد يدري نساء تتحرش بأجسادهن وحوش الظلام، لا يهتز نبض ولا ضمير لأطفال شردتهم الحرب يتسولون على أرضفة الضياع.

نلهث في الزحام الكبير لا ندري إلى أين وجهتنا، نطارد الوهم والسراب والبلاد في غباء شديد، بلاد كلها خراب إن لم يكن من الحرب خرابها فمن جهلها يكون خرابها وفسادها. تناقضات كبيرة بلاد كانت تدّعي الإيمان صارت تلهو وتعبث بالإيمان وبالمؤمنين.

فمن الغباء أن نسأل: ولم وصلنا إلى هذه الحالة؟
كلنا يعرف الإجابة وكلنا يعرف السبب.
لأننا شعوب لا تعرف قيمة الوقت ولا تعطي للوقت معنى.

لأننا قطعنا صلة الوصل والرحم الحقيقية واعتكفنا خلف الشاشات الصغيرة والكبيرة واختصرنا اللقاءات الجميلة واستبدلنا باقة الورد الندية بباقة ورد ناشفة ننسخها ونلصقها من مواقع النت.

اختصرنا الكلمات الدافئة بكلمات مسبقة التأليف تأتي على شكل مقابر جماعية ( نسخ & لصق)

الحبُّ كان أشهى، يوم كان عفوياً، صادقاً، بسيطاً. يوم كانت اللهفة ترتسم على ملامح اليدين بالمصافحة، وكانت القلوب ترتجف من خلف الثياب تكاد تخرج من بين الضلوع بالعناق الحار، حين كانت وسائل الحب بسيطة وصعبة التعبير؛ كان العاشق أشهى من عاشق اليوم المترف بالبرود وفقر العاطفة، كان للبكاء طعم ومعنى، كانت السماء تصمت وتصغي للدموع الصادقة، اليوم صار حب الناس مفتعلاً والبكاء مثل الطعام المعلّب. وحتى الموت كان أشهى هناك، كان للموت هيبة ورهبة وللحزن مذاق واحساس عميق.

الزمن هو الزمن لا يتغير والحب هو الحب لا يصدأ بابه ولا ينكسر؛ نحن من تغيّر ونحن من جعل باب القلوب يصدأ، نحن من يخلق للزمن جماله حاضراً كان أم ماضي.

المقال السابقيوميات مواظب (ع . س) ج2
المقال التالىنظرية الفراغ الأمني
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد