خلف الحسيني يتركنا في موتنا و يرحل بصمت


 

هذا حال فناننا التشكيلي والموسيقي ( المعلم الأول ) خلف الحسيني ، الذي تركنا قبل أيام ( 31-1-2019 ) ، قاذفاً الحياة و ما فيها خلف ظهره ،

الحياة التي لم تلق به على ما يبدو ، فهو لم يخلق لهكذا حياة ، و لا لهكذا زمن ، شأنه شأن كل مبدع حقيقي لفظته الحياة خطأً ، لفظته حراً بالمطلق ، مليئاً بالدهشة و بأسئلة لم يجب عليها أحد ، و بالتالي لم تستطع على إستعابه . و لا إستعاب آماله و آلامه ، و لا طموحاته وما صاغ منها عوالم جديرة بالمفاجآت و التحولات و التوقعات . لم تستطع على ترويضه في قبول قساوتها و قساوة تلك الممارسات التي بقي الإنسان يجتر بها و فيها .

تركنا خلف الحسيني و هو يمتطي حصانه المجنح محلقاً في سموات الرب ، محلقاً بخوفه و إحباطه راسماً بشهيقه و زفيره حياة تجريدية تتراوح بين الرفض و الرفض ، تركنا الحسيني في موتنا و في ماهو مفروض علينا كضرورة الإنتماء للتراب لا للضوء ، و ذهب يبحث عن حياة جديرة به ، حياة بمناخات جديدة ، لا جوع فيها و لاكفر ، لا خيانة فيها و لا أقنعة ، لاحروب فيها ولا فرق ، الحقيقة وحدها تنبض بها وبالقادمين إليها .

خلف الحسيني هو بحق الذاكرة الفنية ، الموسيقية منها و التشكيلية ، البعيدة منها و القريبة ، الغائرة في الصوامت ، والممتدة من التأسيس إلى الآن ، المرتبطة بالشخصية الفنية و بظلالها الباهظة الثمن ، والتي تلاحق زمناً ذاب بجنون بالقيمة الحقيقية للقدرات الحقة و الفاعلة كشكل للتوازن و الديمومة ، هو المعلم كما يحب الجيل اللاحق أن يقول عنه و هو كذلك ، و يشكل مع الفنان و الموسيقي عبدالرحمن الدريعي أهم نبعين منهما نهل أكثر روافد الفن التشكيلي في الحسكة و القائمة ممتدة في زمن و لعقود عديدة و أجيال كثيرة نذكر بعض أسماء الرعيل الأول كعمر حمدي ، و عمر حسيب ، و فؤاد كمو ،و حسن حمدان ،و صبري رفائيل ….إلخ ،

فهو بحق أحد أعمدة الفن التشكيلي و الموسيقي في الجزيرة السورية و أحد أهم روادها ، و ساهم بقوة في إنشاء الجمعية الموسيقية في محافظة الحسكة ، و كان بارعاً في تدريس العود و الكمان و العزف عليهما ، كما كان مدرباً ناجحاً للخط العربي إليه تتجه كل الأنظار ، إلى جانب الرسم الذي زرع في سهولها المغمورة و حصد ثماره ، بل منه بدأ ينهل كل من يريد السير في طريق الخلق و الإبداع .

ولد بصمت في الثلاثينات من القرن الفائت بمدينة عامودا الصغيرة بحجمها ، الكبيرة بأهلها الذين تضج بهم الإبداع من كل جوانبها حتى يكاد كل منهم يكون مشروع نهر إبداعي ما ، من ماء هذه المدينة شرب ، و من هوائها إستنشق ، و من ترابها جبل ، فكان لا بد أن يكون كسجادة أحيكت بشهقة أطفال حريق السينما و بقصص الأولين في كري شرمولا ، أحيكت من ضوء روح ناسها و من خرائط قلوبهم الحاملة لحزم من الأسى و التحولات الكبيرة .

أبدع بصمت ، و على إمتداد ست عقود و أكثر ، أبدع في الموسيقا ، فغنى بصوت بالغ المقام ، و بعطاء شامل و حامل لمتواليات سمعية ، و عزف العود و الكمان حتى أصبح معلماً في تدريسهما و تعليمهما لأجيال كثيرة ، و برع في الخط ، كان شيخهم و قبلتهم في الخروج إلى الجمال و الخلق بكامل إضاءاتها و موقعها ، حتى أصبح مدرباً لكل من يدخل هذا الحقل العذب ، بل بركاناً يشع في المكان و في الزمان أيضاً ، و أبدع في الرسم ، فكان أحد روادها ، بل أحد أهم المؤسسين للحركة التشكيلية في الجزيرة السورية، و من تحت عباءته خرج الكثيرون ممن أصبحوا أسماء مهمة فيما بعد .

و رحل بصمت ، دون أن يلتفت إلى رحيله أحد ، رحل بصمت مدقع ، فلم يمشي في جنازته إلا أفراداً لا تزيد عددهم عددالأصابع ، جلهم من عائلته ، رحل آخر القامات الفنية بخجل ، خجل وهو الراحل ،ولم نخجل نحن الغارقون في المعارك الوهمية فيما بيننا ، الغارقون في متاهة الحياة و خياناتها الكثيرة ، رحل بصمت ألف الأبجدية التشكيلية و يائها ،

رحل بصمت آخر المبدعين الحقيقيين من الزمن المنتج ، رحل و هو معجون بالجوع و الحزن و الإنكسار ليواصل طريقه في إنجاز مشروعه الذي لم يكتمل في عالمنا هذا ، قد ينقله مع مشهده الذي لم يسمح له بالتلفظ و التنفس هنا ، قد يحمله معه خارجاً و غارقاً في كري شرمولا ليبقى هرماً إبداعياً إليه تتجه البوصلة الفنية لقافلة الباحثين عن الجمال و زرعه حتى تتحول إلى مزار يفوح رائحته العذبة في الجهات كلها .

لا تعليقات

اترك رد