الإصلاح … بدم علاء مشذوب

 

لعل أفضل ما نقدمه للصديق الشهيد د. علاء مشذوب هو مواصلة الدرب الذي بذلحياته من أجله ، التنوير وحث الآخرين على أن يضعوا المسلمات جانبا ويعيدوا النظر في أنظمة الفكر والعقائد والطقوس والعلاقات، والكف عن مواصلة التجهيل المتعمد من قبل أولي الأمر سواء كانوا من المتحكمين على دفة السياسة أو الدين، ولا شئ أكثر أهمية من الخضوع لعملية عصف فكري نحاول من خلاله أن نعرف لماذا قتل مشذوب في مدينتهكربلاء، ومن هو القاتل؟…..

لا أعتقد أن ثقافة القتل شائعة بشكل ملحوظ في كربلاء، إلا إن شرعنتها ممكنة، وايجاد المبررات والأسباب ليس صعبا خاصة للمتلاعبين بالألفاظ ضمن شقيها الديني والأدبي، أو أولئك الذين يؤطرون خططهم السياـ عسكرية بإطار عقائدي، ويحدد لنا التاريخ عام 65 للهجرة، 684 للميلاد، وبعد مرور أربعة أعوام على واقعة الطف التي استشهد فيها الإمام الحسين وصحبه، بداية لثورة المختار الثقفي (ثورة التوابين)، منطلقة من ممارسة طقوسية توجه خلالها حوالي 4000 مقاتل إلى كربلاء، وطافوا حول قبر الإمام الحسين فبكوا وخطب بعضهم بما أثار الحماسة في المقاتلين الذين توجهوا لمقابلة الجيش الأموي بعيدا عن كربلاء، هذا لا يعني بالطبع ان هذه المدينة لم تتعرض لاستباحات عسكرية وصلت إلى حد اعتبارها مجازر كالتي حدثت في عام 1802 على يد الوهابيين الذين غزوها وقتلوا فيها أكثر من 5000 شخص، هناك حوادث أخرى سيعرفها المهتمون بالطبع من خلال مصادرها التاريخية، لكن ما يهمنا ذكره أن مثل هذه الحوادث ناتج منطقي لصراعات سياسية وفكرية واقتصادية عاشتها المنطقة طوال القرون المنصرمة، ومن الطبيعي أن تحصل كربلاء على حصتها منها، إلا أن ثقافة القتل بمعناها الفردي، لا تعد ظاهرة واضحة المعالم في تاريخ هذه المدينة الصغيرة… عرفنا في التاريخ المعاصر قتلا شرسا في عام 1991 لدوافع سياسية واضحة، كان طرفاها النظام الحاكم آنذاك بأدواته القمعية، والمنتفضون من أبناء كربلاء أو من جاء من خارجها، وهم يمتلكون مواقف مناهضة لذلك النظام… ومن عاش تفاصيل القتال في مدينة كربلاء أيامذاك يتذكر أن النداءات التي كانت تنطلق عبر مذياع الصحن الحسيني أو العباسي لتوجه المقاتلين أو تحثهم استخدمت الكثير من المفردات ذات الطابع الديني لإضفاء القداسة على مقاومة المقاتلين للجيش والقوات الأمنية عالية التدريب والتي استهدفت صدورا عارية على الأغلب…

رغم ان لكربلاء جذورا بابلية إلا إنها لم تأخذ ملامحها كمدينة عامرة إلا في أواخر الدولة العباسية، وبسبب الطابع الديني لها نشطت الحركة الفكرية والأدبية، فقد كانت مذ ذاك مزارا لمحبي آل البيت، وبعضهم ممن طور ثقافة دينية وصلت به إلى حد الإجتهاد واقتراح تفرعات مذهبية كما رأينا في الشيخية مثلا، والتي قادها الشيخان أحمد الإحسائي وكاظم الرشتي، استغل بعض المفكرين ما طبع المذهب الشيعي من مرونة في تقديم تفسيرات وتصورات مختلفة عما اعتاده عامة المسلمين.. فظهرت آراء فكرية ومعتقدية بالغة الحساسية، وممارسات أكثر جرأة مما ينبغي في مجتمع يُعد ضيقا، مثالا على ذلك نذكر أن منتصف القرن التاسع عشر كان شاهدا على بزوغ نجم المفكرة الشابة قرة العين (فاطمة البرغاني) وربما من المفاجئ أن نذكر أنها المرأة الأولى في العالم الإسلامي (القرن19) التي خلعت حجابها، وقدمت محاضراتها الفكرية المهمة على تلاميذها الذين كان عددهم يناهز أو يزيد أحيانا على أعداد التلاميذ لدى علماء الدين الآخرين… وخاضت سجالات ومعارك فكرية مؤثرة مع تيارات دينية ومعتقدية مع الفرقة الشيخية وبعض رجال الدين الاثني عشرية، كان هذا في عام 1844 تقريبا، وقد قتلت قرة العين في عام 1852، لكن ذلك لم يحدث في كربلاء، بل في مدينة طهران الإيرانية، كناتج لما خاضته من صراعات فكرية مع رجال الدين في كربلاء والنجف والكاظمية وايران بالطبع، ما أود تأكيده أن كربلاء لم تكن يوما، ذات اتجاه فكري يسير في مسار واحد، ومن الغريب أن يحاول رجال السياسة المتدينين أو رجال الدين المسيسين، أن يصبغوا المدينة بلون واحد، وهذا ما جعل أحرارا كعلاء مشذوب يحاولون التنبيه إلى حقيقة أن الفكر لا تؤطره أطر محددة، والوعي مساحة شاسعة لطرح الكثير من التصورات وتلاقحها بما يوصلنا إلى نتائج أكثر توفيقا.. وهذا ما لا يرتضيه التسليميون المؤمنون بما تناقلته الكتب والاخبار دونما تمحيص وغربلة رغم انهم يدركون أن الكثير من هذه الأخبار ملفق ومنسوب إلى مصادر أعلنت براءتها منها صراحة، فقد قال الإمام جعفر الصادق: لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهدا من أحاديثناالمتقدمة، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا محمد (ص)، وهذا اقرار صريح وواضح بضرورة تجنب المغالاة والتعامل مع آل البيت ضمن الحدود التي رسمها الله ونبيه والقرآن… فهم بشر كما يؤكد الأئمة ذاتهم، إلا ان البناة النظريين للمذهب الشيعي قرروا أن الطريق الأفضل لكسب قلوب الناس هو اعتمادهم أحاديث منسوبة للنبي أو الأئمة وهم منها براء، يظهرونهم فيها كالملائكة، وفي أحد الأحاديث يقولون بأن (الله خلق من نور وجه علي بن أبي طالب سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبيه إلى يوم القيامة)، أو أن بعض الملائكة يعملون خدما في بيوت الأئمة، وغير ذلك كثير مما تحفل به الكتب المفتقدة للتدقيق والتمحيص، والتي لابد أن يتم إفراغها من أية أحاديث مغالية تتعارض مع الشرط الذي سنه النبي محمد وأقره الإمام الصادق: (لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة)..

لابد من بذل جهد فكري حثيث يشترك فيه المتنورون من رجال الدين، والمشتغلون بالفكر، وعامة المثقفين، لتنقية المذهب الشيعي من شوائبه الكثيرة، ولتكن البادئة فكرة الولاية ذاتها، التي يعدها علماء الشيعة مدماكا مهما في الصرح الشيعي، فالتاريخ يقدم لنا بعض الوقائع التي لابد من محاكمتها بموضوعية للخروج منها بنتائج نعيد من خلالها النظر في أصول المذهب…. كان الإمام علي قد رفض عرض عمه العباس بن عبد المطلب بمبايعته خليفة للنبي حين وفاته، وقبل انعقاد سقيفة بني ساعدة في قصة معروفة قال فيها العباس للإمام علي خلال الساعات الأخيرة من حياة النبي محمد، وكان قد أدرك أن مرضه سيودي به إلى الموت، فقال للإمام علي اني أرى رسول الله سيتوفى في وجعه هذا، وأني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب إلى رسول الله فسله فيمن يكون هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا، فقال علي بن أبي طالب: والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا، والله لا أسألها رسول الله أبدا)… والتحليل البسيط لهذا القول يوضح لنا أن الإمام علي طرح وجهة نظره القائمة على أن هناك احتمالين، وهذا ما كان يراه العباس بن عبد المطلب كذلك، فقد يوصي النبي محمد للإمام علي وقد لا يفعل، إلا إن رفض التوصية له تعني أنه لن يحظى باحتمال أن يختاره الناس خليفة في أي وقت آخر، وهذا يتناقض مع ما يحاول رجال المذهب الشيعي تأكيده دائما في أن الولاية معقودة للإمام علي منذ فترة سابقة… وبعد وفاة الرسول (ص) كرر العباس بن عبد المطلب محاولته حين قال للإمام علي: امدد يدك أبايعك وآتيك بهذا الشيخ من قريش (يعني صديقه أبا سفيان)، فيقال: عم رسول الله بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك من قريش اثنان، والناس تبع لقريش)، وكرر الإمام علي رفضه لهذا العرض كذلك، أما الوصية المباشرة للنبي قبيل وفاته، فلم تكن سوى وصية شخصية غير سياسية وهذا ما يؤكده الإمام جعفر الصادق، فقد طلب النبي من العباس أن يكون منفذا لوصيته أول الأمر فاعتذر العباس عن الإلتزام بهذه الوصية، واستجاب الإمام علي في أن يؤدي ما بذمة النبي من التزامات مالية، وان يهتم بأسرته مالهم وما عليهم، ويستلم ما لدى النبي من حقوق شخصية… فليس هناك وصية صريحة وواضحة بخلافة الإمام علي للنبي محمد، وحتى في حديث الغدير: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)، فمن غير المستساغ أن نقبل فكرة أن الإمام علي والصحابة مع معرفتهم بأمر النبي، إلا إنهم يعصونه لدرجة، ان الإمام علي يبايع أبو بكر وعمر ثم عثمان… ولم يستلم الخلافة إلا بعد بيعة الناس له عقب مقتل عثمان، في استفتاء مباشر شهده مسجد المدينة.. حتى ان الإمام الباقر يقول بأن الإمام علي لم يدع إلى نفسه، وأقر القوم على ما صنعوا وكتم أمره… وهذا يؤكد إنه لم يكن ساعيا إلى الخلافة، مع ان تردده في مبايعة أبي بكر الصديق ومرور فترة من الوقت حتى حقق هذه المبايعة، فلأنه ـ كما يرى البعض ـ شعر بأنه أولى منه بالخلافة.. وحين حدثت الردة وجد أن مبايعته من شأنها أن تخفف الضغط على الخليفة أبو بكر الصديق فذهب إليه مبايعا، وكما تذكر بعض المصادر الشيعية انه خاطب المسلمين وقتذاك قائلا: (لم يحبسني عن بيعة أبي بكر ألا أكون عارفا بحقه، ولكنا نرى أن لنا في هذا الأمر نصيبا استبد به علينا)، ولو حاولنا تحليل هذه الخطبة القصيرة، سنجد فيها اعترافا بأبي بكر كقيمة قيادية، واشارة إلى أن للإمام علي حق في ما أخذه أبو بكر، الأمر كله إذن سياسة سارت باتجاهين مختلفين، وهذا شائع في عالم السياسة، فاختلاف المصالح قد يرجح كفة هذا عن ذاك رغم احتمال أحقية الثاني.. ألا يستحق منا الإمام علي أن نمنحه قدره الكبير كواحد من أبرز الذين بنوا الدين الإسلامي وثبتوا دعائمه، وأن نكف عن تصغير شأنه عبر زجه في صراعات تبلورت حول كرسي الحكم الذي أثبت في وقائع كثيرة زهده فيه، كان النبي محمد بالغ الذكاء والفراسة حين اختار رفاق دربه وصحابته المقربين، ليس صحيحا إذن أن نطعن في هذا الذكاء والفراسة عبر الطعن بإيمانهم وصدقهم وشطب أدوارهم الكبيرة في بناء الإسلام… كانوا جميعا رفاق الإمام علي ولم يتم تفريقه عنهم إلا فيما بعد، حين شاعت الأحاديث المغالية المنسوبة إليه وأبنائه من بعده…

ربما أراد علاء مشذوب دفعنا إلى إعادة النظر ومحاولة الوصول إلى فهم صحيح وايجابي للمذهب الشيعي الذي تحول إلى مجموعة من الممارسات الطقوسية التي لا تختلف كثيرا عن تلك الممارسات التي اعتبرها التاريخ … وثنية…

المقال السابقطيف سراب
المقال التالىتلك الأميرة
أسعد الهلالي تاريخ الميلاد : 11/3/1960 محل الولادة : بغداد محل الإقامة: بلجيكا التحصيل الدراسي : بكالوريوس ـ سينما.. المهنة : كاتب ومخرج تلفزيوني وسينمائي.. عملت معدا ومخرجا تلفزيونيا في: 1. تلفزيون العراق 2. الفضائية اليمنية 3. قناة السومرية الفضائية 4. قناة الاتجاه الفضائية 5. قناة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد