تلك الأميرة


 

في قلعة معلقة كالنجوم في السماء بين السحب في جزيرة صقلية في عام 615 م . كانت هذه القلعة آخر ما بقي للعرب في صقلية بعد أن سقطت حصونهم الواحد تلو الآخر . كان رجال القلعة يريدون الدفاع عنها حتى آخر قطرة دم وكان حاكمها محمد بن عباد . وبعد سنوات طويلة من القتال بعث النورمانديون له يفاوضونه بتسليم القلعة وينجو بنفسه وأهله ويرحلونه إلى شاطئ الأمان في تونس .
كان الإمبراطور النورماندي يفاوضه بنفسه فكتب إليه ذات ليلة : ” لم يبق غيرك وأنت محاصر وزادك قليل ورجالك يتناقصون ولا أمل لك في مدد وأنا أعرض عليك أن أحملك بأموالك ورجالك وعتادك وسلاحك إلى الساحل الأفريقي في أمان. فماذا تقول ؟” وتراسل الطرفان كثيرا حتى استوثق محمد بن عباد بالإمبراطور. لكن ابنة محمد بن عباد لم تستوثق بالنورمانديين وقائدهم وحاولت إقناع والدها بالدفاع عن القلعة حتى الموت لكنه لم يقتنع فعرضت عليه أن تبق هي في القلعة حتى وصولهم إلى تونس . وكان الآمر .
ركب محمد بن عباد ورجاله في سفن النورمانديين وما إن صاروا في عرض البحر حتى انقلب النورمانديون على الاتفاق قائلين : ” لا ننسى أشلاء جنودنا في الوديان ولا ننسى سهام جنود القلعة ولا دماءنا التي سالت كالسواقي .”
رد محمد بن عباد : “ولكن الإمبراطور أعطاني الأمان ”
قالوا له : ” نعم لقد أعطاك الأمان من الموت قتلا ولكن لم يعطك الأمان من الموت غرقا .”
واجتمعوا عليه وأغرقوه ومن معه في لجج البحر .
علمت بنته بالأمر وأقسمت أن تنتقم لأبيها رغم الحصار وقلة المال والعتاد والزاد . ظلت تقاتل مدة ثلاث سنوات تالية مع من بقي من الرجال وحين شعرت بالضعف أرسلت للإمبراطور النورماندي تقول : ” إني امرأة ابتليت بمحاربة الرجال ومواراتهم ، وقد ضقت ذرعا بالأولياء منهم والأعداء . وضعفت نفسي ووهنت ومللت القتال والنزال . ومعي من صناديد الرجال من لا ينقاد لمرادي في الاستسلام . فأرحني واسترح بأن توجه لي ثلاثمئة فارس من نخبة مقاتليك لأدخلهم ليلا إلى القلعة فإذا ملكوها ودخلت أنا بعد ذلك في طاعتك لم يكن لك من أحد تخشاه بعد ذلك . ففكر فيما خاطبتك به والله يخير ويختار . ”
بعثت الأميرة الرسالة مع رسول من خاصتها . وكان الإمبراطور النورماندي قد مل القتال والانتظار في محاربة الأميرة فرأى في عرضها فرجا كبيرا . فقبل في ساعته واختار ثلاثمئة من أفضل فرسانه ومقاتليه وأرسلهم لها ليلا فإذا بأبواب القلعة مفتوحة كما قالت في رسالتها وإذا بها تنظرهم على أحدى البوابات المفتوحة ورافقتهم إلى أبراج المدافعين عن القلعة .
وحين طلع الصبح وأشرقت شمسه بنور اليقين خرج الإمبراطور النورماندي وحاشيته يستطلع الأمر وفوجئ برؤؤس فرسانه ومقاتليه معلقة على أبراج القلعة وبجانبها أعلام ورايات الأميرة . شعر الإمبراطور بحجم الخديعة التي وقع فيها فقد كانت أقسى مما يتوقع وقرر المكر بالمكر .
كتب إليها رسالة جميلة وأرسلها مع خاصة خاصته قال فيها : ” يا سيدتي ! لست أبالي بمن مات من فرساني ولكن ظهر لي أنه ما من امرأة في الدنيا أفضل منك لتكون أما لأولادي من بعدي . تعالي إلي نقتسم الملك فنكون ملكا وملكة ونريح ونسترح فأنت إن بقيت على ما أنت ووقعت في أيدي جنودي سيقطعونك إربا فاختاري لنفسك ما تكون المصلحة . ”
ردت الأمير قائلة :” وصلتني رسالتك وعرفت ما فيها من حق وباطل . وقد أبلغني عيوني الذين يعيشون وسط جندك أنك قلت . عجب عجبا . امرأة تمكر بثلاثمة رجل وتقتلهم . وليس العجب ثأر أبي وفي القرآن الكريم الذي أؤمن به آية تقول ” إن كيدهن عظيم ” ولكن العجب العجاب أنني أعيش في قلعة صغيرة وأنت تمتلك الكون الواسع ولا يكفيك فايأس مني ولن تحصل مني على ما تريد . وأنا مقاتلتك حتى الموت . ”
وبالفعل يأس الإمبراطور النورماندي منها ومن عنادها ومقاومتها الشديدة إلا أن طول القتال وشدة الحصار أخذ منها مأخذه فضعفت في لحظة غادرة من الزمن فجمعت في إحدى الليالي قادتها في احتفال مهيب من احتفالات الموت وانتحرت …
حتى اليوم لا يحفظ لها التاريخ اسما …ولا أحد يعرف من هي بالضبط ..كل ما يذكره التاريخ هي أنها بنت محمد بن عباد .

لا تعليقات

اترك رد