مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين الأديان … يقطف أولى ثماره


 

أدركت السعودية أن العالم وظف الدين الإسلامي في صراعاته البينية، فكانت بريطانيا في القارة الهندية قبل أن تنسحب عام 1947 في صراع مع الاتحاد السوفيتي، وكانت أفغانستان المنطقة الفاصلة بينهما، ثم حلت الولايات المتحدة مكان بريطانيا في جنوب آسيا لتطويق الاتحاد السوفيتي.

أراد الروس أخذ المبادرة في اللعبة الكبرى، واتخاذ خطوات وقائية، فقامت الاتحاد السوفيتي باحتلال أفغانستان، واستثمرت الولايات المتحدة هذا الاحتلال والترويج له بأنها حربا بين الإسلام والأيديولوجية الشيوعية، وتمكنت من خلال هذا الترويج تنشيط مفاهيم مثل الجهاد والمجاهدين، وتمكنت من هزيمة الجيش الأحمر الذي يوصف بأنه لا يقهر، وخرج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان عام 1989 الذي تزامن هذا الخروج مع تفكك الاتحاد السوفيتي.

لم تكافئ الولايات المتحدة من ساهموا في هزيمة الكابوس الذي أقلقهم، بل تحولوا إلى شيطنة الجهاد والجهاديين، واحتلت أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر، ووجدت إيران الملالي فرصتهم في دعم الولايات المتحدة في احتلال أفغانستان والعراق عام 2003.

بعد ذلك أصبح الإسلام حاضرا في مقدمة الأجندة العالمية أيديولوجية بديلة ونظرة عالمية، حتى بات الإسلام يذكر جنبا إلى جنب مع الإرهاب، الأمر الذي جلب العداء ضد الإسلام.

منح الأفغان أمريكا 9 قواعد عسكرية بجانب اتفاق أمني مبرم بين كابل وواشنطن، وكذلك منح العراق أميركا عدد من القواعد العسكرية في العراق، مقابل قبول أمريكا بالتواجد الروسي في سوريا.

استثمرت الولايات المتحدة شعار الخلافة لدى كثير من الجماعات الإسلامية التي تسعى لإعادة تشكيل الخريطة السياسية للعالم الإسلامي الراهن، وهي لا تخوض الحرب في دولة أو دولتين، لأنها تحارب تحت عنوان براق هو تشكيل دولة الخلافة، وهو ما يظهر تصور لاستراتيجية ذات طابع دولي، وتبدأ من المناطق الهشة كالعراق وسوريا وليبيا للوصول إلى مصر بعدما انهارت الخلافة الإسلامية على يد ثورة الشعب المصري المدعوم من قبل الجيش وتلقي دعم السعودية للقضاء على هذا المخطط الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

لكن هناك تساؤل لماذا التزمت داعش بعدم التقدم لمسافة تتخطى ال30 كيلو مترا التي حددتها إيران بعد معارك ديالي في العراق، كذلك التزمت داعش بالخطوط الحمراء الأمريكية بعدم التقدم نحوها، وكذلك لم تتقدم داعش نحو النظام السوري ولا التركي، وهو ما يعتبر تبادل منافع استراتيجية التي تبنى عليه كثير من الاستراتيجيات.

اعتمدت الولايات المتحدة منذ الثمانينيات تقوم على إضعاف القدرات التي تتمتع بها الدول الإسلامية، إلى تفكيك تلك الدول خطوة خطوة، بعدما جرت حوارات بالغة العمق داخل النخب الأمريكية العليا، والنخب الصهيونية الفكرية قبيل نهاية الحرب الباردة حول العالم المقبل، فظهرت نظرية صراع الحضارات لهنتجتون، ونهاية الرأسمالية لفكوياما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مباشرة ونهاية الحرب الباردة عام 1990 وبداية مرحلة جديدة من النظام العالمي الجديد والعولمة.

تود الولايات المتحدة استخدام نفس التكتيك الذي استخدم أثناء الحرب الباردة، بأن تستخدمه في تفكيك الدول إلى كيانات عبر الاضطرابات في داخلها، ووظفت إيران في زمن أوباما بشكل كامل ومليشياتها التي أصبحت ضمن المنظومة العليا للاستراتيجية الأمريكية، وربط المصالح الأمريكية بالإيرانية، وحولت إيران السكان العرب الشيعة في الدول العربية إلى حالة مذهبية وسياسية وعسكرية مرتبطة بإيران، ومتعادية مع مجتمعاتها وحكوماتها.

تولت السعودية بإنشاء مركز الملك عبد الله للحوار والثقافات عام 2012، وأثناء زيارة ترمب للسعودية في 2017 اتجه إلى عقد 3 قمم، اجتمع فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع 55 من قادة الدول الإسلامية والعربية في مايو لصياغة رؤية مشتركة، ولتشكيل قوة احتياط من 34 ألف جندي لدعم العمليات ضد المنظمات الإرهابية في العراق وسوريا عند الحاجة، والإعلان عن تأسيس تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي في مدينة الرياض.

إلى جانب افتتاح المركز العالمي لمكافحة التطرف ومركزه الرياض، الذي يسعى إلى منع انتشار الأفكار المتطرفة من خلال تعزيز التسامح والتعاطف ودعم نشر الحوار الإيجابي ومنع التهديدات الدولية المتزايدة بسبب الإرهاب والتطرف.

يتزامن دور الملك عبد الله ( كايسيد ) مع توجهات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الانفتاح الخلاق على سائر العالم والثقافات والتلاقي الأصيل مع أتباع الأديان الذي

يتماشى مع دعوة الإسلام ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسييسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ).

ركزت السعودية على الفاتيكان من أجل تحقيق ما في الآية من تحقيق الحوار من أجل التعايش والسلم العالمي، وهذه الآية لا تتعارض مع الآية التي تنهى عن موادة من حاد الله ورسوله ( لا تجد قوما يؤمنون بالله ورسوله يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ).

فالله سبحانه وتعالى لم ينه المسلمون عن مودة غير المسلمين إلا للمحاربين، لأن الله سبحانه وتعالى نهى عن الاعتداء على من لم يحارب المسلمين ( وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) بل حتى المحاربين إن طلبوا التوقف عن الحرب ومسالمة المسلمين فيجب الاستجابة لهم إذا لم تكن هناك خدعة ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم )، ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) فمن لم يقاتل المسلمين فيجب أن يتم برهم والإقساط إليهم، وهو لا يختلف عن بر الآباء، فليس هناك وضوحا أكثر من هذه الآية التي تطالب ببر غير المسلمين غير المقاتلين كبر الآباء هذا هو الدين العظيم دين السلام والمحبة والتعايش.

يشكل الحوار ركنا أساسيا من أركان الدعوة الإسلامية، وهو في حواره يعطي الجميع الحرية في اعتناق الإسلام، فلا إجبار أحد عليه ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )، وأساس الحوار الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )، فمسؤولية الحوار إقامة الحجة، وعندما حاور الرسول صلى الله عليه وسلم نصارى نجران في مسجده ولم يسلم نصارى نجران ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) لم ينسب الرسول صلى الله عليه وسلم الحق له رغم انه نبي مرسل من عند الله ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ).

الحوار ركن أساسي من أركان الإصلاح الفكري ونبذ التطرف والتعصب، وكانت زيارة البابا لدولة الإمارات التي أتت نتيجة دور السعودية النشط في الحوار مع الفاتيكان، التي عزلت المتطرفين من الجانبين عن الساحة، ولم تلتفت لضجيجهم، الذين ساهموا في زرع الكراهية، وزرعوا الإرهاب فكرا عبر وسائل إعلامية، حتى انتشر التطرف بشكل سريع جدا، ولم تعد مهمة الأجهزة الأمنية كافية، فلجأ العالم إلى السعودية الأقدر على مواجهة التطرف الفكري الذي يعتبر أحد أهم حواضن الإرهاب.

زيارة الباب لدولة الإمارات هي تتويج للجهود السعودية التي دشنت الحوار منذ عام ،2012 ولكن لم يتنبه العالم لهذا المركز، لكنه بعدما امتدت شظايا نار الإرهاب إليه، لجأ للسعودية التي استطاعت رعاية التعايش المشترك، والاحترام المتبادل، وتقليص خطاب الكراهية، وتجريم التحريض عليه عبر تشريعات تتبناها الدول، والتركيز على الإسلام المعتدل.

الزيارة تدشن لوثيقة الأخوة الإنسانية استجابة لقول الله سبحانه وتعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )، والفاتيكان كان ودودا مع المسلمين، وكان ضد الحرب على العراق، ويعتبر المسلمين الأكثر معاناة في العالم وهم الأكثرية بين الأمم تعرضا للظلم من جانب أهل الديانات الأخرى.

صحيح أن الوجود المسيحي في منطقة الخليج بدأ منذ سنوات القرن التاسع عشر، التي عرفت بنشاط الإرساليات الأميركية البروتستانتية بغرض التبشير وبإنشاء مراكز لها بدءا من البصرة عام 1891، وبعد ذلك في مسقط ثم البحرين وأخيرا الكويت، مصحوبا التبشير بالتطبيب والتعليم، لكن أمين الريحاني أشار في كتابه الملوك وهو مسيحي قال أنصح إخواني المبشرين بأن يركزوا على التطبيب والتعليم، أما التبشير فإن هؤلاء البدو لن يتركوا دينهم قط.

أغلب المبشرين كتبوا كتبا منها السعودية مهد الإسلام، وعقيدة المسلمين، والعالم المحمدي، وغيرها من الكتب، وكان المجتمع الخليجي منفتحا وقابلا بالآخر، لكن الصحوة الإسلامية بدأت تغرس غرسا مختلفا وهو الخوف من الآخر، ولم يعد الفكر التسطيحي في منطقة الخليج قابلا للاستمرار لأن الواقع هو عكس التفكير التسطيحي، فكثير من أبناء الجاليات أسلمت في منطقة الخليج.

فالمواطنة بحسب الآية ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) تدشن للمواطنة العالمية بعيدا عن المتاجرة بالدين، لأن الله سبحانه وتعالى يقول ( إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ) وجميع من هم على الأرض هم عباد الله، عليهم أن يعاملوا بعضهم بروح الإخاء والمحبة.

لا تعليقات

اترك رد