رُوحٌ مٍنْ مَعْنَى


 

انظروا أسماءه الجُلّى: اللِّوَاءُ “ما يُعْقَدُ فِي طَرَفِ الرُّمْحِ وَيُلْوَى عَلَيْهِ وهو عَلَامَةُ كَبْكَبَةِ الْأَمِيرِ تَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَار”َ، الرّاية “عَلَمُ الْجَيْشِ وَيُكَنَّى أُمَّ الْحَرْبِ يُعْقَدُ فِي الرّمح وَيُتْرَكُ حَتَّى تَصْفِقَهُ الرِّيَاح، يَتَوَلَّاها صَاحِبُ الْحَرْبِ وَيُقَاتِلُ عَلَيْهَا وَتَمِيلُ الْمُقَاتِلَةُ إِلَيْهَا”، البُندُ” العَلَمُ الكبِيرُ وهو عَلَمُ الفُرْسَانِ”. العَلَمُ “العلامة والأثر والمنارة والجبل”.

العَلَم شعار الوطن. والشّعار” صورة مرئيّة نتبنّاها اصطلاحيّا لتمثيل فكرة أو كائن ماديّ أو معنويّ” (1)، صورة مرئيّة هي مظهر من مظاهر فعاليّة العقل، مثقلة بالإيحاء، خصيبة بالتّأويل تقوم رمزا لوطن في أبعاده الحضاريّة وفي مداه الرّوحيّ والوجدانيّ. وذي صورة مرئيّة لكائن فينا ” سَبَحْنا في لجّ هواه” يرسمها الفصل الرّابع من دستور سنة 1959 “علم الجمهوريّة التّونسيّة أحمرُ تتوسطه دائرةٌ بيضاءُ بها نجم ذو خمسة أشعة يحيط به هلال أحمر”، ويرسمها الفصل الرّابع من الباب الأوّل من دستور جانفي 2014 “علم الجمهوريّة التّونسية أحمرُ، يتوسّطه قرص أبيض به نجم أحمر ذو خمسة أشعة يحيط به هلال أحمر”. ولك أن تسافر في حقب التّاريخ فتشهد عراقة هذا العلم أقرّه حسين باي الثّاني، العشرين من أكتوبر سنة 1827 وتمّ اعتماده أوّل مرة سنة 1831. ولك أن تسافر في صفاء اللّون ووهجه وفي هسيس الأشكال ونداءاتها.

العَلَمُ ينشد السّماءَ رفعة؛ يعلو شاهقَ ما تبتنيه أيد وسواعد، ويعلو سامقَ ما ترنو إليه عزائم بني الوطن الخلّص المنذورين لرفعته ومجده، يَطلُبُ الرّيح فيُصفَقُ ويَخفِقُ فتخفق لخفقانه القلوب – بين أهليها- اعتزازا وافتخارا، وفي غربتها أنسا وحنينا، ويعلو سَنَامَ القيمةِ فهو رمز أيّ رمز.

هو مناط الهويّة والسّيادة يحمله روحا من معنى حُماةُ الحِمَى؛ حماتُه الواقفون على التّخوم الحافظون الثّغورَ، حماتُه بالفعل المُريد، والعقل المستنير، والجسد السّليم، حماتُه باجتماعهم فيه ولأجله، وبتظاهرهم يردّون الكيد ويمنعون الأذى عنه، حُماتُه يُباهون به تاريخا من البناء الحضاريّ، حماتُه يباهي بهم وهم فخارُه في النّوادي والمحافل.

حُماتُهُ “سواعد يهتزّ فوقها العلم *** نباهي به ويباهي بنا” (2).

فإذا ولّينا شطر مدارسنا وجدنا كثيرا من السّواعد تتخلّف عن موكب تحيّة العلم بمؤسّساتنا التّربويّة يفوتها سماع هذا البيت من النّشيد الوطنيّ التّونسيّ الّذي يُرفَع العلمُ على إيقاعه بله تعرّفَ معانيه الأُوّلِ والثّواني، تتخلّف عنه تقاعسا ولا مبالاة، وكذا تظلّ تفعل ولا ترعوي. وكيف ترعوي ولم تع غيّها؟

ووجدنا الحناجر معطّلة عن الصّداح والمقام مقامها. وإنّما النّشيدُ ما ارتفعت به الأصواتُ النّديّةُ لا ما ردّدته الآلاتُ الصّمّاءُ.

النّشيدُ الوطنيّ ما تُنشده الحناجرُ الصَادحة، وتعيه القلوبُ المعقودة على حُبّ الوطن، وتذكو لسماعه العواطف والمشاعر. النّشيد الوطنيّ ما ينبغي أن يتغنّى به تلاميذنا في ساح مدارسهم شُهّدا مُجتمعين الآن وهنا، لا يُعذَر في ذلك من غابَ أو تخلّفَ لأنّ موكب رفع العلم في المؤسّسات التّربويّة درسٌ أيُّ درس؛ هو المتنُ حواشيه في جداول الأوقات، وفي كتب تلاميذنا وكرّاساتهم، وفي نظام المراقبة المستمرّة، وفي نظام التّأديب، وفي حياتهم المدرسيّة الغنيّة غنى نفوسهم وعقولهم، وفي اجتماعهم وتواصلهم وتعاونهم، هو قول يُنجزه أبناؤنا إذ يتلفّظون به فإذا هم ” حماة الحمى” يمنعونه إذ يَعْلَقون به فيجدّدون الولاء له صباحَ كُلّ درس، وإذ يَجُدّون في طلب العلم ما به يُعلُون صرح الوطن، وإذ يَجِدُون في حصص الدّرس سبيلهم إلى مشاريعهم الصّغيرة تكبر معهم، وإلى أحلامهم وأشواقهم يُبدعون من خلالها وطنهم أفنانا من قول ولون ولحن، ويبدعونه سواعدَ ” فيها كِفاء للعُلى والهمم”.

العَلَمُ وطنُنا، هو قصد السّبيل إذا افترقت بنات الطّريق، هو الغاية الأسمى الّتي تصغر دونها الغايات.
علمٌ-وطن، نراه بأعيننا ولكن هل نراه في أفعالنا؟ علم-وطن تعلو بنشيده ألسنتنا ولكن هل تَنشُده ضمائرنا؟
العلم؟ ما أضلّ من يدركه جسدا من قماش ويخطئه روحا من معنى!
“إلى عزّ تونس، إلى مجدها *** رجالَ البلاد وشبانَها” (2) كذا فلتكنْ كلماتُ النّشيد جلالَ قيمة ومقامَ حياة، ولتكنْ روحَ المُنشِد وفعلَه.

(1) انظر مقدّمة معجم الرّموز. تالبف جون شوفالييه وآلان قيربرانت. ترجمة فيصل سعد. مؤمنون بلا حدود. 2016
(2) إحدى أبيات النّشيد الوطنيّ التّونسيّ.

لا تعليقات

اترك رد