التنوير بين إرادة السلام وبلطجة الميليشيات

 

نافذة(50): فضاءات التنوير يقارع الظلام

مقتبس من المعالجة:”بين قوة القانون وقانون القوة تعارض جوهري، حيث القانون حفظ للسلم الأهلي ومنظومة قيمه، لا يعرقله في ذلك سوى منطق القوة بمعنى العنف المستند لآلية الثأر والانتقام وتخندقات الاحتراب. ذلكم معنى دولة للشعب تحكمها قوة القانون وأخرى تنتهكها الميليشيات فتحكم بقانون القوة مجسدة بعنف سكين الجزار ورصاصة غدره”.

هل نجحت 13 رصاصة غدر ظلامية في التأثير على فرص التنوير وإرادة السلام؟ وهل اغتيال تنويري يشكل نهاية مطاف الصراع بين النور والظلام؟ ينبغي الاعتراف بأن سلطة القوة مالاً يشتري الأنفس الضعيفة المستعدة للبيع والشراء؛ ورصاصاً يُرهِب المرتعشين هلعاً الخانعين سلفاً، هي سلطة ذات أثر لمسافة بعينها تساوي حجم المشلولين قبل أن يُسمع صوت رصاصة أو يُرمى فتات من بقايا مال فاسد.. أما الحقيقة فإنّ الشعوب تظل تنجب حراكها القادر على إعادة الأمور إلى موازينها الصحية الصحيحة..

أسوق مثالا، ما تواصل ارتكابه أطرافٌ ظلامية، بتشكيلات ميليشياوية أو جماعات وعصابات مسلحة منظمة مافيوياً، من جرائم غدر وتدمير وتخريب، وهي تواصل فرض منطق الظلام والتخلف بسلطة ثلاثية

المرجعية تتشكل من: المال والسلاح والدين. فالمال السياسي الفاسد المفسد بين رشى وشراء ذمم وتكوين وجاهات فارغة من كل القيم إلا من شكليات نسمع ونرى لها قرع طبول ولا نلمس طحناً وطحيناً.. والسلاحُ سكينٌ تطعن في الظهر وعلى القلب يطلقون رصاصة غدر لا يرعون لأحدٍ حرمة أو قدْر أما الدينُ فتدينٌ زائف مخادع بأضاليل فتاوى ما قرأ عاقل وعقله فيها صواب لا من قبل ولا من بعد…

إن من يقف وراء منطق ذاك الثالوث الظلامي الهمجي يعرفون أنّ وجودهم قصير وهم يمدون فيه ويطيلونه بإشاعة الفوضى وبمنطق يكرس التجهيل والتخلف ويعمّد اقتصاداً ريعيا وميزانيات تشغيلية لا استثمار فيها فيعطلون عجلة الاقتصاد عن الدوران فلا صناعة ولا زراعة ولا أي شكل إنتاجي مثمر، لتقف أموال الناس وثرواتهم عند أعتاب توزيعها غنائم بين السوقة السرقة ينهبون بجنح ظلام، فظلام العقل المخدوع بالخرافة ودجلها وظلام النفس الخاوية بأميِّتها وظلام الروح الخرِب بكل ما يصادر الأنسنة وقيمها وظلام الوطن بغبار التطاحن ومعارك صراع التخندقات الطائفية وأشكال الظلام جميعا هي أستار النهب والسلب والمصادرة والسطو حتى على شرف الإنسان وكرامته…

إن مجريات الأوضاع تؤكد حجم البلطجة والترهيب من طرف الميليشيات التي تستبدل الدولة بفرض منطق العنف قوة فوق القانون وسلطته وقبلها وبعدها..وتلك القوة تأتت مع السكين والرصاصة الأول مشحوذ بظروف هيأتها أوضاع الفقر وتعطل فرص كسب الرزق صناعة وزراعة وتجارة وسياحة واية فرصة عمل أخرى والرصاصة تستغل المسدس والبندقية والمدفع ووسائل العنف بكل ما يفجر ليهدم ويقتل ويغتال..

هنا بعبع التقتيل ومصادرة حيوات الناس تنتقي القرابين الضحايا كيما يكون وقع الجريمة أكثر شدة وإرعابا وإرهابا.. ولطالما نجحت تلك التهديدات التي تطيح برؤوس الأبرياء المسالمين بوحشية وهمجية، لكن نجاحها بالتأكيد بقي بين من جرى إشاعة الأمية والجهل وإضعاف العزائم وسطهم…

إذن تترابط قدرات الظلام والظلامي على فرض السطوة بالعنف مرتبطة باهتزاز العزيمة وخوارها وبشيوع الجهل والتخلف أو الأمية بمعناها الأوسع والأشمل اصطلاحيا..بما يمهد لحقيقة مقابلة تعلن عن ارتباط نقيض العنف أي السلام بالتنوير ومحو الأمية وإزاحة أثقال تعطيل العقل..

يأتي السلم الأهلي من وجود قوانين ناظمة للحياة الإنسانية بمنحى فعالياتها ومنجزها ومخرجات الاشتغال. والسلام يتأتى من قيم التسامح ومن قيم التضامن بين الناس بخلاف التخندقات التي تصطنع الاصطراع والتناحر. على أن قيم التسامح ليست ضعفا بل قوة فالضعيف يختزن الاحتقانات المتفجرة ومنطق الانتقام والثأر بينما القوي هو من تُشع منه ساطعة شموس السلام ومنطق التسامح وتضافر الجهود وتوحيدها..

وهكذا فالتنوير قوي بقوة إرادة السلام وتمسك الناس بمنطقه بدل الانجرار إلى مهالك يوردهم إياها المخادعون.. عليه فكلما قويت العزائم قوي التمسك بالسلام ومن ثمّ قوي معنى التنوير وتعزيز منطق العقل وما يريده من قوانين حياة تؤنسن الوجود.. وتقوية العزائم وإرادة السلام تحتاج للعقل ومنجزه العلمي وتظل بحاجة لقوانين تمنح الإنسان وجوده حقوقاً وحرياتٍ ما يجعله مدافعا عنها بإرادة صلبة تستند إلى الوعي والإدراك..

وصحيح أن غرس ثقافة التنوير تجابه مصاعب جمة إلا أنها ليست مستحيلة ولها سبلها ومنافذها إلى الأنفس الأبية للشعب؛ تلك الأنفس التي تقارع من يريد استغباءها أو استغفالها وتقييد العقول بقيود الظلام والظلاميين. هذا الانقسام التناقضي بين التنويري والظلامي وما يعنيه سلوكيا قيميا هو جوهر الصراع في عراق اليوم، عراق الطائفية ومفاسد طبقة الكربتوقراط الوليدة المتمترسة خلف مافيات وعصابات البلطجة..

وحيثما أدرك العراقي الأمر، انسحب من الانتماءات إلى مختلف التشكيلات المسلحة والعصابات المنظمة لجرائم النهب والسلب وما يرافق ذلك من جرائم تصفية وتشويه للبنى المجتمعية.. وقرار الانسحاب من عضوية الميليشيات سيحميه حاضرا ومستقبلا يوم يوقف تضخم البلطجة وقوتها على حساب حياته الملقاة في أتون محارث الطائفيين وحروبهم..

وليس صعبا ولا معقدا أن يتعامل من يتطلع للبناء مع الرؤية التي تقتضي وجود العقل العلمي بمعنى جودة التعليم ومحو أشكال الأميتين الأبجدية والحضارية المشيرة للتمدن وخطاب الثقافة وانوارها.. وهذا التعامل يمر بطريق السلام بوجود السلم الأهلي يمكن للتعليم أن يشتغل ويمكن لخطاب الثقافة أن يعقد أنشطته بلا قيود ولا قمع ولا مصادرة أو إلغاء..

إذن التنوير بكل مضامين فضائه يقتضي إرادة السلام وعزيمة التمسك باستقلالية الفرد والجماعة ورفض عسكرة الوجود الإنساني لا عسكرة للفرد ولا عسكرة للجماعات بل لا وجود للجماعات المسلحة ولا ضرورة لذاك الوجود فالضرورة الحتمية تتجه اتجاها معاكسا تماما اي باتجاه إخلاء المجتمع والوطن من كل بؤرة عنفية من أي شكل..

إذن لا لقاء بين إرادة السلام وبلطجة الميليشيات وقوى السكين والرصاصة.. فإرادة السلام تقترن بتطلعات المواطن للابتعاد عن العنف كي يتفرغ لاشتغالات العقل وعلومه والالتحاق بأنشطة الثقافة وخطاباتها بمجالات الآداب والفنون من موسيقا ومسرح وسينما ومن كرنفالات الفرح لا الألم حيث ربيع تلك المنجزات.. وإرادة السلام بهذا التوصيف لا تلتقي ببلطجة التشكيلات المسلحة من أي نوع وقح أو ممن يدعي القدسية والعصمة المزيفتين.. فالعنف والبلطجة تعطل العقل ولا تسمح إلا بقانون الخنوع والركوع والخضوع لأوامر الظلامي بكل مفاسده ومطامعه..

أن ترتكب الاعتداء على أخيك في الوطن والإنسانية وربما حتى في الدين والمذهب هذا هو قانون البلطجة والعنف بمنطق التشكيلات المسلحة وقانون العسكرة والتمترسفي حروب الحتادق المتعارضة اصطناعا وخدمة للمفسد..

إنَّ الخشية والهلع من إعلاء صوت الاعتراض لا يكف الأذى ولا يُنهي العنف وبلطجته بل يكرسه ويزيد من استفحال جرائمه حتى لا يعود يكتفي بإلقائنا في أتون حروب التخندقات غياها بل يستهدفنا نحن مباشرة حيثما وجدنا خانعين مرتعشين فقوة البلطجي ليست من قدراته بل من تخلينا عن قدراتنا نحن..

الشعوب تمتلك قدرات مهولة ولا قوة فوق قوتها يوم تجد قيادة وطنية موحدة مستقلة ذات برامج واستراتيجيات تتناسب ومهام التغيير ويوم تتحد مع تلك القيادة التي تجسد إرادة السلام بالضد من إرادة مشعلي الحرائق من قوى العنف والبلطجة..

لقد كانت خبرات أبناء الشعب الفقراء وسيلة ساعدتهم على الاختيار الأكثر دقة وموضوعية وسلامة حينها التحموا متحدين خلف قيادة وطنية ديموقراطية كما حصل في انتفاضة الجسر أو وثبة كانون 48 ويوم التفوا حول ثورتهم في تموز 58.. والتجاريب أكدت أنه كلما انجر بعض المواطنين خلف البلطجية ورضخوا للعسكرة ومنطق الرصاصة والسكين انتكست الأوضاع وغدروا بأنفسهم وأخوتهم وبأمنهم وأمانهم..

فهلا وعينا الدروس ونحن بزمن لا يقبل فيه أبسط من يستثمر عقله ويحركه بمنطق الخرافة والتجهيل والاستغفال ومن ثم لا يقر الخنوع لأوامر البلطجة وسلوك العنف طريقا للحصول على لقمة العيش بوقت ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ولا الحصول على الكرامة بالدوس على كرامة الآخرين بينما الصحيح تعميد وحدة وطنية وجسور علاقات تقوم على الاحترام وعلى غرادة التعايش السلمي مع الآخر وحصر القدسية بالتنوع لا بالتعارض والتمييز بين مكونات الوطن والناس..

إننا إذ نمضي متمسكين بإرادة السلام ومنع العسكرة وإدانة العنف بأشكاله وإزاحة البلطجة من طريق حيواتنا إنما نؤكد الانتصار لوجودنا ولأنسنة هذا الوجود حيث ينتصر التنوير طريقا وحيدا للبناء والتنمية والتقدم..

فهلا تعاضدت جهودنا في هذا الطريق كلٌّ يضيف كلمته اليوم قبل فوات الأوان ووقوع المحظور!؟ ثقتي وطيدة بكل التفاعلات منكنّ ومنكم أنصار السلام تحتوون من وقع بمطب الخديعة لصالح العنف وتعيدونه إلى حيث مصالح ومصالح الأجيال التي تأتي بعده..

لا تعليقات

اترك رد