سيد الحرام


 

كالعادة، امر الجميع، مسؤولون وغير مسؤولين في بغداد وفي كربلاء ايضا، عن ضرورة متابعة جريمة اغتيال الاديب المبدع العراقي د. علاء مشذوب، وشدد البعض منهم على اهمية سرعة القاء القبض على الجناة، واهل المغدور وحسب اشاراتهم وردت منهم انهم يعرفون القتلة المجرمين ويملكون ادلة قوية ، وناشدوا رئيس الوزراء للقائهم لتسليمه تلك الادلة التي بحوزتهم ليساعدهم باعتباره ولي الامر، وهو المتوقع ان يكون الحازم الشجاع فيامر بالقصاص العادل من المجرمين بما انه عادل بالاسم وينتظرون منه ان يكون كذلك بالفعل ، ولكن هذا الانتظار سيكون كانتظار زليخة ليوسف، اذ ان علاء مشذوب ليس اول المغدورين ولن يكون آخرهم، والامر اولا واخيرا لا يحسمه رئيس الوزراء ولا غيره، اذ ان الدولة في العراق كيان متعدد الاوصاف والطبقات والمستويات، تقوده جهات عديدة وتتحكم في مفاصلة جهات متعددة، قد يظن البعض ان مثل هذا الكلام مبالغ فيه، ولكن مثالا واحدا يكفي لاعطائنا الفكرة الكافية عن هذا الكيان الذي ولد بعد الاحتلال بحجة احلال الديمقراطية، فللحشد الشعبي مثلا، المكون من فصائل متعددة قد يصل عددها للسبعين، ويقال ان بعضها خاضع لاوامر القيادة العامة للقوات المسلحة، جهاز امن خاص به، له الحق والامكانيات والموارد التي تسمح له بمتابعة حركات العراقيين ، مسؤولين ام مواطنين عاديين، وله سجن خاص وقضاة ومحاكم خاصة ايضا، ففي حين يجب ان يحصر الامن والقانون وتطبيقه واجراءاته بيد الدولة نراه هنا في العراق موزعا ومتشعبا بحجة واخرى بين فصائل ومجموعات بعضها يحارب بعضها لتضارب المصالح احيانا، أو لانها تتبع جهات خارجية وداخلية متعاكسة المصالح احيانا اخرى، وقد ورد في الانباء المؤكدة ان جهاز الامن هذا القى القبض في الشهر الماضي على شخصين في بغداد بحوزتهما مليون حبة مخدرة، وهناك خبر آخر عن اعتقال شخصية مهمة في كربلاء وبحوزته مخدرات بقيمة مئة مليون دولار امريكي، وكلهم لم يقدمون لاجهزة الدولة بل بقي التحقيق معهم محصورا في اقبية امن الحشد، وقد تسر هذه الانباء كثيرا اذا ما نظرنا اليها من جهة محاربة هذا الجهاز وفصائله لتجارة المخدرات، ولكن السؤال الاهم: من ادخل هذه المخدرات ومن سهل شيوعها والاتجار بها وتداولها بين الشباب خاصة، ولا نريد القاء الاتهامات جزافا ولنكتفي بالقول ان فقدان القانون والتسيب الامني والتدخل الخارجي المقصود والهادف لتدمير العراق قد وجد في هذا الكيان الضعيف الفاسد الخرب فرصته السانحة، وستبقى هذه الفرصة قائمة مادام تحكم هذه الجهات والفصائل بمصير الدولة وامنها وامن مواطنيها قائما ايضا، ومن المهم هنا الاشارة الى ان مدينة كربلاء التي يزورها في موسم عاشوراء ملايين الاشخاص دون حدوث جرائم تذكر، صعب على القائمين بامنها اليوم كشف جريمة واضحة المعالم، خاصة وان اهل المغدور يعرفون القتلة ، وكذلك جهات عديدة تعرفهم ايضا، ولكن هذه الجهات تشعر بالراحة والسعادة بعد اغتياله لانه كان يمثل بالنهاية هدفا مشتركا لها، فد. علاء كان كاتبا روائيا وفنانا غزير الانتاج ومؤثرا في محيطه، ويحمل شهادة الدكتوراه من كلية الفنون الجميلة، فهو اذن بالنسبة لهم يقف في اعلى مراتب الحرام، انه سيد الحرام وقتله والخلاص منه مباحا مستحبا بل واجبا فرضا، واحلالا لشريعة الله التي تسمح حسب اعتقادهم بظلامهم فقط، ولا مجال للنور في عالمهم القائم على الحزن والبكاء والظلمة والانغلاق.. انهم يعرفون القتلة ولاحاجة لادلة ثابتة او غير ثابتة، واذا ماجرت الامور بعكس مامتفق عليه، فان الجريمة ستسجل كثأر شخصي او بدافع السرقة او ضد مجهول حتى، مع دية عشائرية ستلغي كل هذا اللغط الذي اثاره البعض لينتهي سيد الحرام كما انتهى غيره من المبدعين والناشطين ودعاة الحرية الى حيث لامكان للاحرار ولا مكان للفن والابداع والتميز في بلد كتب عليه ان يعيش ظلام العصور الوسطى في زمن التكنلوجيا والاتصالات والفضاء..

سيد الحرام نم هادئا، وأنر قبرك فقط، فما نحن إلا رعاع نجتر الحكايات في مضيف شيخ العشيرة..
ولا عزاء لأديب وفنان ومبدع في عراق الظلمات..

لا تعليقات

اترك رد