عندما نريد التحدث عن العراق

 

كل شيء مدمر ومنهار، ومايزال يتصدر قائمة الدول الاكثر فسادا، لاينافسه في ذلك سوى بلدان تكاد تعيش في عصور ماقبل التأريخ، هذا هو حال العراق منذ اكثر من ١٥ عاما، فلم يعد بالإمكان اعتباره دولة كسائر الدول.
كان العراق دولة ذات كيان مستقل، يملك حدودا قوية ذات سيادة، يضم شعبا متجانسا، ما إن سقط ذاك النظام، آتى البلد قوم رعاع مشوهون، حكموه بنظام محاصصة خاضع للأحزاب المتأسلمة، والذي انعكس سلباً على المجتمع الذي بات عبارة عن كانتونات تعيش طوائفه في معزل عن بعضها البعض.
بعد أن روج الى ان القادم سيكون اجمل، اختطف العراق في ساعة غفلة، فتبددت تلك الاحلام، وفزع الناس من كابوسهم الذي أشعرهم بأنهم قد اِستُغفلوا واستُغلت مظلوميتهم من قبل جماعات قدمت ما وصفته برؤيتها للحكم الجديد عام 2003، في حينها كانت أبرز بنوده بناء دولة مؤسسات وفصل الدين عن السياسة واعتماد منهج المواطنة والعدالة.
وعود ذهبت ادراج الريح، ومنها وعود تطوير الصناعة العراقية وخطة الاكتفاء الذاتي التي تعد من اساسيات ضمان الاستقلال، فاكثر من 80 الف منشأة ومعمل عطلت، فيما تم خصخصة المتبقي منها وبيعه بأبخس الاثمان لدولة سعت في تخريب الإقتصاد العراقي، واعني إيران التي لم تكن بصمتها بعيدة عن ذلك، حتى يبقى العراق سوقا إستهلاكيا لبضائعها.
العراق ومنذ بزوغ فجر تأريخه يعد بلدا زراعيا، يملك نهران وتربة خصبة، ناهيك عن الثروات المعدنية والنفطية، إلا أن المستغل من أراضيه اليوم هي أقل من الثُلث فقط نتيجة الإهمال وسوء التخطيط، حيث جفت مساحات واسعة وأصابت غيرها البوار بعد ارتفاع نسبة الملوحة فيها، فهجر الفلاحون مهنتهم وتركوا زرعهم الذي تحول لحطب، وزحفوا تجاه المدن، وزاحموا فيها مصادر عيش أهلها التي تكاد تكون معدومة أساساً في ظل بطالة بلغت نسبتها نحو35 بالمائة وفقاً لوزارة التخطيط العراقية.
نحو ألف مليار دولار أُهدرت منذ 14 عاماً بين عمليات نهب وتهريب منظمة ومشاريع وهمية، فالنائب ماجدة التميمي، وصفت واردات العراق من المنافذ الحدودية والموانئ “بالمخيفة والمهوّلة”، الا أنها ضائعة بلا كشوفات صرف أو متابعة إنفاق، نتيجة لهيمنة الأحزاب ونفوذها، ولا ننسى من ذلك كمثال على أساليب تبرير عمليات الهدر المالي ما صرح به محافظ البنك المركزي الذي تذرع بنفاد مياه الأمطار إلى الغرفة المحصنة داخل سرداب البنك، نتيجة وجود فتحة غير محكمة كانت سبباً بتلف سبعة مليارات دينار!.
ميزانيات العراق منذ العام 2003 كانت انفجارية كما يصفها البعض، حيث بلغ معدلها في أبسط حالاتها نحو 100 مليار دولار، اعتمد 90 بالمائة من تمويلها على صادرات النفط والباقي من المشتقات والأسمدة ومواد أخرى، لا ترقى بمجملها لتكون بصمة تمثل جودة التصنيع المحلي. فيما كان ينفق الجزء الأكبر من تلك الموازنات على المصاريف التشغيلية كرواتب موظفي الدولة والمتقاعدين وشرائح المنتفعين، والذي يبلغ عددهم نحو 9 ملايين. الأمر الذي جعل العراق الدولة الأكثر على مستوى العالم بعدد موظفيه نسبةً إلى عدد سكانه وهي كارثة لوحدها لدى بلد ريعي يعتمد مورداً واحداً محكوماً بسوق عالمية، وبالتالي يجعله أمام خطر دائم في ظل تقلبات سعر النفط، لكن الأسوأ من هذا كله والذي يستوجب الوقوف عنده بتمعن، هو تخصيص ما نسبته ربع موارد البلاد للمجهود الحربي والإنفاق العسكري وللعام 2019 أيضاً رغم انتهاء المعارك. والذي عده مراقبون بأنه دليل على أن العراق يُدار من قِبل أمراء حرب يعتاشون ويُمولون أنفسهم من النزاعات والحروب.
الحكم في العراق تحول إلى عائلي بامتياز وتُدار أبرز مؤسساته من قِبل تجار أسلحة باتوا يتحكمون بدفه ملف اختيار الشخصيات وتوزيرها لحقائب مؤسسات حساسية كالدفاع والداخلية، فيما تعصف الفوضى الأمنية بالبلاد لدرجة أن وكالة المخابرات الأمريكية ولكي تُعطي انطباعاً تصويرياً لدى المتلقي بشأن فظاعة المشهد وتفاقم مستوى العنف في مدينة أكابولكو المكسيكية، فإنها تستشهد بالعراق وتقول أن الأوضاع في كلاهما متشابه لحد كبير، لم يبقَ من العراق اليوم إلا اسمه رغم حرص شعراءه فيما مضى أن لا يكسروا حرف العين فيه عند ذكره لشدة اعتزازهم بعنفوانه وعظمة قدره حين كان العراق دولة.

Sent from my iPad

لا تعليقات

اترك رد