قراءة في رواية الغوييم للأديبة التونسّية الهام بو صفّارة

 

الغوييم؛ رواية المُفارقات والدهشة؛ القارئ يقف على فالق المفاجآت الدائمة؛ بُنية النصّ السردية كلاسيكية في ظاهرها؛ ثورية تجديدية مُغايرة في أسلوبها وجوهرها لامتلاكها عناصر الاستباحة بين البّاث والمُتلقي؛ مُستفيدة من اشتباك اللغة بالحدث وكأنّ القارئ شخص فيزيائي يجلس أمامها تحاوره وتطمئنه تُخبره بعض الأحداث القادمة في نصّها كي لا يُذعر أو يشعر بالخيبة أو القلق؛ فقد تفرّدت الكاتبة؛ وبشجاعة كبيرة؛ على خوضِ مواضيع فائقة الحساسية؛ فيها من الخطورة ما لم يتجرأ أحدٌ قبلها على كشف الستار عن حقائق خطيرة الى هذا المدى؛ أكان عن المُنظمات اليهودية ودورها في التأثير على السياسات الدولية؛ أم الماسونية التي تدير العالم بما يتوافق مع مُخطّطات ومصالح اليهود؛ المُرتكزة على نظرية شعب الله المُختار وقوانينه المنبثقة من كتاب بروتوكولات حكماء صهيون.

المُذهل في إلهام بوصفّارة؛ إحاطتها الشاملة بما هو مُتوقع وغير مُتوقع؛ اكتنزت سردياتها بآفاق فكرية وميثولوجية وتيوقراطية؛ في أمَدٍ يمتدُّ من التكوين الى عصر التكنولوجيا والرقاقات التي تُلاحم جسم الانسان وتتحكم بعقله وميوله ومشاعره وتصرفاته؛ حيث شكّلت استدارتها أحداثاً فيزيائية وميتافيزيقية وكونية ترابطت بعناوين روايتها لتشكّل حالة انبثاق في الوعي الوجودي متشابكة ولكنها متكاملة مُترّاصة مُستهدِفة؛ وكأنّ النص السردي وسيلة مطواعة مَكّنتها من إعادة النظر في يقينيات سائدة ومُعمّمة على الايمان البشري بصيغة المُقدّس الثابت.

وظّفت الكاتبة ثقافات متعددة ومتباينة لتستقطبها كسياق مألوف في سرديتها المُتشابكة إلى حدِّ الإعجاز؛ المُتداخلة كخيوط العنكبوت؛ المنحوتة كقطعة فنّية لفنّان أهوج أو مجنون؛ حتى استطاعت إبهار القارئ الذي أُخرج طوعاً أو قسراً من بين حروفها إلى رؤيا تتناسل إلى حدِّ المشهدية السينمائية؛ وهذا إبداع أعتقد أن الهام بو صفّارة تفرّدت به وسجّلت سبقاً روائياً هامّا يجب أن يأخذ حقه ومداه في النقد والإشهار؛ ليس عَرضيّاً إطلاقاً إدّماج الفكر الإنساني الرائد؛ مثل؛ ليو تولوستوي والمهاتما غاندي وهنري دايفيد ثورو وكافكا

وسيغموند فرويد ونيتشه وفولتير وكريستوفرهينتشر وعلي ابن ابي طالب؛ في عناصر الرواية؛ بقدر ما هو استدلال حيويّ للفكر الاجتماعي السياسي الأخلاقي الديني؛ فاستحضرتهم الكاتبة بحنكتها وبُعد نظرها كمشاركين في كتابة النص لتحصينه من تداعيات أيّ فكر مُضطرب قد يظهر في سياق مفاهيم بعض القُرّاء والنُّقاد؛ ولإضفاء براهين وأدلّة تؤكّد الجيوثقافي- اليقيني؛ ونقضه في آن.

الإعجاز يتبدّى جلياً واضحاً منذ البداية حتى الخاتمة؛ استحضرت الكاتبة في البدايات السردية؛ لأسباب تختص بفكرة الرواية؛ الأساطير والملاحم القديمة؛ حتى تكاد تشعر أنّك في العصر السومري أم الاشوري او البابلي؛ وكيف انبثقت الانهار وارتفعت الجبال؛ تشم رائحة الصلصال والأخيلة البدائية؛ تعود بنا دون عناء الى فكرة التكوين والخلق كأنه وهم معرفي تشكّل في الذاكرة ليخدم أهداف ومصالح دينية سياسية تصبّ في مصلحة اليهود دون سواهم؛ وكأنها ترصد وتوجّه انتباهاً ضلَّ عنه الوعي الجمعي لمجتمعات أصابها الوهن؛ فأضاعت حقائقها الحضارية وغفلت عن كينونتها الوجودية؛ وتركت مصيرها ليقرّره عنها آخرون يُشغلونها بمقدسات وغيبيات ويقينيات تُعميها عن معرفة ذاتها الحقيقية؛ تفصلها عن تاريخها وحضارتها وقيمها؛ لتزرع في وعيها ما يتناسب مع مشاريعها وأطماعها ومعتقداتها الدينية التي تتحكم بسلوكهم كمتفرّدين؛ حسب اعتقادهم؛ بعلاقتهم الحميمة مع الله؛ عن سواهم.

استشرفت الكاتبة بوعيها الأدبي وحسّها الوطني؛ المخاطر المُحدقة بالوطن وبالانسانية على حدٍ سواء؛ واستطاعت الإطلالة على الاحداث؛ من وقائع وتفاصيل صادمة؛ بُنيت على ثلاث خطايا بالمفهوم اليهودي:

الخطيئة الاولى:
مص مص؛ أي رضاعة طفل يهودي ماتت امه بحادث؛ من ثدي أم غير يهودية.
الخطيئة الثانية:
البروتوكولات؛ أي بروتوكولات حكماء صهيون والتي تُعتبر القانون الاساسي الذي يحكم الماسونية. الخطيئة الثالثة: البعث؛ وكأني رأيت الانبعاث المعرفي عند غير اليهود , كأسطورة طائر الفينيق .

أحداث تدور بين تونس وفرنسا وألمانيا؛ تتوزّع فيها الأدوار شخصيات متنوّعة؛ اسماعيل وداوود وديفيد والخال راوول وراشيل وحيدر وفاطمة، فرج صاحب شقة فرنسا؛ حمزة، العمّة زينة، جواهر فتاة الدعارة، راقية، الشاف، سارة؛ وهاجر التي أرضعت طفلاً يهودياً نهشها لاحقاً؛ والدكتور ثيودور ذو الأصابع المعدنية؛ القائد مردوخ وشيلدون وأهل السدّ والمُحارِبة .

هكذا شكّلت الكاتبة محاورها وخاضت بهم تجربة خرجت عن السياق الروائي السائد؛ شكلاً ومضموناً؛ حيث استطاعت؛ بصفحات تفوق المئتين قليلاً؛ أن تُنجز مشهدية مُترّاصة تبدأ من سفر التكون لتنتهي برقاقات الكترونية تزُرع تحت جلد الانسان.

نظرا لغزارة الإيحاءات وكثافة الرموز في رواية الغوييم؛ سأقتطع نموذجين محاولاً استنباط المكنون في دلالات النص وأبعاده الميثولوجية نظراً لحساسيته الرمزية وطبيعته الأسطورية.

النموذج الأول:
الألوان؛ الأبيض الأخضر الأحمر: حليب الرضاعة؛ زهرة اللوتس والدم؛ الدم الأخضر.
يتميّز النبات والكلوروفيل بلونه الأخضر، ويتميز الدم بلونه الأحمر؟ والغريب أنّ اللونين هما لونان متكاملان، بمعنى أن مزج ذبذبات اللون الأخضر والأحمر معًا ينتج اللون الأبيض لإشعاعات الشمس. وُجدت الألوان أو الذبذبات اللونية مع بدء الوجود، فلا وجود دون ألوان ولا ألوان دون وجود، لأنها دليل على كينونة ما، الألوان هي تجسيد للذبذبات، أي تفسّر مكنوناتها ماديًا. حين خلق الله الكون؛ فالألوان تبدو لنا كعلامات على مدخل كوني، وتقودنا إلى المفهوم الأفلاطوني للأفكار على أنها صور للعالم الفيزيائي. فعلا لقد ذهبت الكاتبة الى أغوارٍ سحيقة لتُقدم لنا هذا العمل الذي سيُكتب عنه كثيراً دون شك.

النموذج الثاني:
مردوخ وشيلدون؛ خلاصة أحداث الرواية السرمدية ؛ أو تلك التي تمتدّ من الأزل إلى الأبد؛ استخلصتهما الكاتبة بموقفين لقائدين أو إلهين قادمين من الأسطورة كاستمرار لقناعات زائفة تتحكّم بمسار السياسة والدين؛ فمردوخ الذي يحنّ الى أورشليم – الشرق؛ ويوافقه الزعيم – الرمز؛ وشيلدون الذي يتطلّع إلى السيطرة على العالم – الغرب؛ ويوافقه الزعيم؛ القصدية هنا إبراز المطامع التي تكوّنت منذ فجر التاريخ وأنشأت فكرة الساميّة والدولة اليهودية التي تحكم العالم؛ والتي تمتلك آلياتها ومؤسّساتها في توظيفٍ دقيق لبلوغ غاياتها وأهدافها.

قد نكون؛ بل نحن أمام روائية تصفعنا جميعاً؛ تستأصل خمولنا بصدمة معرفية هائلة الحضور في عقلها ووجدانها؛ لم يُطالعنا عمل سردي لصيق إلى هذا الحدّ بأوجاعنا الوطنية والقومية؛ يصُحُّ بهذا العمل؛ أنه رواية نقدية صادمة لوعينا العربي المسترسل

بالغباء؛ تجاوزت الهام بو صفّارة كلّ ما هو سائد من نصوص سبقتها أو قد تليها؛ استدارت الى أمكنة لم يبلغها أحد بهذه الشمولية الاستنهاضية لمضمونها ومسارها السردي المدهش.

لقد حقّقت الكاتبة جملة غايات في سياق سردي واحد.

الغاية الاولى:
استطاعت بحرفية فائقة الدقة؛ الوصل بين الماضي السحيق والمُستقبل المُنتظر أو المُستقبل المُتخيل.
الغاية الثانية:
الانغلاق والعنصرية اليهوديين؛ فأن يحمل طفل يهودي خطيئة لا تُغسل إلا بالدم كونه رضع من أم غير يهودية؛ عاد وقتلها بوعيه أو لا وعيه.
الغاية الثالثة:
تشريع استغلال جسد اليهوديات خدمة للمصالح اليهودية.
الغاية الرابعة:
إظهار العنف المؤدلج؛ من خلال سيطرة المنظمة على عملائها وعلى غير اليهود في آن.
الغاية الخامسة:
كشف تغلغل المنظمة في أوروبا والعام وقدرتها على الإمساك بزمام الأمور في معظم القطاعات.
الغاية السادسة:
كشف أساليب السيطرة اليهودية بالمال والإعلام والدسائس على الدول والشعوب.
الغاية السابعة:
سقوط ايديولوجيا شعب الله المختار؛ وظهر ذلك بسلوك المجنّدين الذين ينفذون مهامّم بطريقة آلية جبرية.
الغاية الثامنة:
قوة اليهود الظاهرة ناجمة عن كونهم خطة نظامية دقيقة؛ لم تقُم بوجهها خطة نظامية مُعاكسة.
الغاية التاسعة:
إظهار أنّ النقاء العرقي – صفاء الدم؛ لم تعُد موجودة إلا في الأساطير.
الغاية العاشرة:
تتمثل في الدكتور ثيودور ذي الأصابع المعدنية؛ إنّ تجرّد الإنسان من الإحساس والشعور يفقده إنسانيته ويحوّله إلى آلةٍ صمّاء.
الغاية الحادية عشرة:
ما بٌني على حقائق منهوبة وتحوّل إلى خُرافات يقينية سيندثر.
الغاية الثانية عشرة:
دعوة لاستنهاض الشعوب بالمعرفة وإظهار الحقائق عارية أمامها.
في الخلاصة:
لقد أنجزت الكاتبة عملاً؛ عجزت عنه دول وشعوب؛ أو أهملته لعدم قدرتها على مواجهته؛ أو لتماهيها معه؛ إن الكمّ المعرفي بالجيوتاريخي- سياسي – ثقافي – الذي ضختّه الكاتبة في رواية الغوييم… جدير بأن يدخل كل بيت ومدرسة وجامعة؛ في سياق التنشئة الوطنية- المعرفية؛لفرادته وشموليته؛ علاوة على كونه قيمة أدبية سردية متقدمة ونافرة وفريدة.

المقال السابقسيد الحرام
المقال التالىجمالية الرسم والخط في الاتجاه الشكلي (محمد القصاب انموذجا)
ناقد لبناني التعريف بالكاتب: مين الذيب ناقد وشاعر لبناني تخصص ادب عربي علوم سياسية واقتصاد مؤسس الرابطة الأدبية، مؤسس ملتقى الأدب الوجيز له مشاركات نقدية وشعرية متعددة في لبنان وتونس كاتب نقدي تجاوزي، عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين شغل مواقع في الصحف والمجلات اللبنانية في الثقافة والفكر السياسي مسؤو....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد