الدين ليس مقدساً

 

تعقيدات العلم والمعرفة إذا ما وضعت في سياق الزمن والجغرافيا والتزامات الإنسان الحياتية، تضطرنا للاستسلام والقبول بالكثير من الفرضيات التي لم نختبرها بأنفسنا، فرضيات بعضها تجريبية بالإمكان إخضاعها لحكم المختبر، وبعضها فرضيات تجريدية ليس بمقدورنا إصدار احكام نهائية عليها، وبين الفرضيات المسلّمة تجريبياً والمفاهيم التجريدية تجاويف ومناطق رخوة تنمو فيها طفيليات وطحالب يعتاش عليها كهنة ومثقفي المعبد.

عندما يتحدث الكهنة ومثقفو المعبد تجد في شكل حديثهم ملامح علمية ومعرفية، يصعب على غير المختصّين تشخيصها كـ(طفيليات وطحالب) فكرية، ولأن الكهنة ومثقفي المعبد أكثر احتكاكاً مع عموم الناس، ولغتهم أقرب لفهم البسطاء وغير المتعلمين، لذا نجد أن الغالبية العظمى من البشر محشورون داخل تلك التجاويف، عالقون في وحلّ تلك المناطق الرخوة.

ليس بمقدور الناس في حساب العمر وثقل التزامات الحياة الصعبة أن يتخلصوا من جهل المفاهيم والمعارف، وهم مضطرون للتسليم بما يجهلون من أجل مواصلة حياتهم المعقدة، مستفيدين من الراحة والرخاء الذي يكفلها اليقين والتسليم، وهنا يتطلب قوة لها (فوقية)على العقل وأسئلته وفضوله للمعرفة، والعلّوية على العلم وآلياته المعقدة وهذه القوة هي قوة (المقدّس)هذه الكلمة المجوفة السحرية التي ساعدت الإنسان على ملئ باطنها بمعاني مطلقة في تناقضها، مستحيلة على الفهم عصية على الإدراك، وهي بذلك اكتسبت قيمتها من المعنى وتأثيرها في اللاوعي.

فعلى الرغم من صعوبة فهم نسبية آينشتاين وتطورية دارون، لكن من السهل التثبت على صحتها عن طريق مخرجاتها، وتسالم أهل الاختصاص عليها، وقبولها خارج أسوار قلعة المقدس المنيعة، الأمر الذي يجعل الاطمئنان لها ممكناً في سياق الوعي الجمعي، حتى مع فرض عدم اختبارها، لكن كيف لنا أن نسلّم بمفاهيم تجريدية مثل الملائكة وقوة الغيب ووجود عوالم فوقية (فوق الفيزيائية) مؤثرة ومتحكّمة في نظامنا الفيزيائي الرتيب النظيم؟

الجواب الوحيد هو عبر (تقديسها)نعم، فنحن نقدّس الأشياء التي ليس بمقدورنا إدراكها واختبارها والتثبت من صحتها، من هنا جاءت قدسية الله، وقدسية كل المنظومة الإلهية غير الحسّية، وهي ما اصطلح عليها (الإيمان) أما المنظومة الدينية فإنها غير مقدسة، لأنها حسّية وخاضعة لقوانين الفيزياء، وبما أنها خاضعة للحسّ والفيزياء فهي خاضعة لقوانين العليّة، المعتمدة في مناهج ما تسمى بالفلسفة الإسلامية “إن الحقيقة الخارجية، إذا لم تكن حقيقة ارتباطية وتعلقية، فلا يشملها مبدأ العلية. فليس الوجود الخارجي بصورة عامة محكوماً بمبدأ العلية، بل إنما يحكم مبدأ العلية على الوجودات التعلقية، التي تعبر في حقيقتها عن الارتباط والتعلق” (محمد باقر الصدر فلسفتنا:٢٧٧) ويقصد بالتعلقية هي العلاقة التي يكون سببها وجود متعلق خارجي مثل علاقة الظل بالشاخص، والعلاقة الارتباطية هي العلاقة التي يتوقف وجودها على الارتباط بعلتها مثل علاقة الظل بالضوء مثلاً.الألهية

ومن هنا نفهم أن حاجتنا للإيمان (وجودية مبررة) لأنها تملأ تجاويف الوعي وتعين على الثبات في المناطق الرخوة من المعرفة، بينما حاجتنا للدين اجتماعية نسبية ينبغي أن نضبطها بناظم الفيزياء وقوانين الحس والتجربة، لذلك لا يمكن أن يكون الدين مقدساً، ولا منظومته القيمّية مقدّسة.

لا تعليقات

اترك رد