واقع المناهج التربوية في الوطن العربي ومشكلاتها


 

كما ظهرت عناية كبيرة بالمدرسة كمؤسسة ونشطت البحوث التي تهتم بشروط تحويل المدارس إلى مؤسسات، لها نوع من الاستقلال في اتخاذ القرار على مستوى التجديد التربوي والمساهمة الفعلية في إرساء دعائمه والمبادرة في تنظيم مشروع المؤسسة والمنهاج المندمج للمؤسسة، وعقد اتفاقيات التعاون والشراكة مع فعاليات المجتمع المحلي وإشراك أولياء التلاميذ والمهنيين من حرفيين وتجار وفلاحين وغيرهم، في الرفع من مستوى الأداء التربوي-التعليمي والمساهمة في تنمية المحيط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

ونشطت وبموازاة التقدم التكنولوجي، دراسات تتناول مختلف أوجه الاستفادة من التكنولوجيا في مجال التربية وتوظيفها لتحسين أداء المدرسة والمدرسين. فاكتسحت تكنولوجيا الاتصال والمعلوميات مجال التعليم ليس كوسائل فحسب بل كأسلوب في التفكير وتنظيم العمل، فظهر المنهاج التكنولوجي.

ثم ما أصبح يميز المشهد التربوي الحاضر، هو ميلاد جديد أو عودة للاهتمام على مستوى الدراسة و البحث , بقيم التربية و بعدها الأخلاقي ” مدرسة القيم ” , بعدما سادت منذ الثمانينات من القرن الماضي , النزعة التقنية والنموذج التكنولوجي في التعليم، فظهر ما يعرف بالمنهاج الإنساني و المنهاج الأخلاقي .

هذه بعض أهم المستجدات التربوية و التي كان لها بالغ الأثر في تطوير الأنظمة التعليمية على الصعيد العالمي ، سنعمل على التعريف بها في هذه الورقة و مناقشتها في إطار واقعنا التعليمي واحتياجات مجتمعاتنا العربية الإسلامية و ما نصبوا إليه من تعليم للمستقبل ، و ذلك من خلال العناوين الخمسة التالية :
1- تعريف المنهاج الدراسي ورسم حدوده و مستوياته.
2- تطوير المنهاج الدراسي ، معناه ودواعيه .
3- المنهاج و التحولات في المشهد التربوي العالمي .
4- تنظيمات معاصرة للمنهاج الدراسي .
5- مأسسة المدارس وخلق الظروف الملائمة للتطوير .

1 – تعريف المنهاج الدر ورسم حدوده ومستوياته
1.1- التعريف
كانت البرامج الدراسية الرسمية إلى عهد قريب ، تختزل في لوائح المواد و المواضيع التي يتم تدريسها في مختلف المستويات التعليمية . كما كانت تختصر في جداول و استعمالات الزمن تحدد التوزيع الأسبوعي لتلك المواد . فعمل الرواد الأوائل في تخطيط البرامج ، وحتى يثبتوا تميزهم عن هذا التقليد الذي يولي أهمية كبرى لمحتويات التدريس ، على التركيز على التلميذ بدل المادة الدراسية و محتوياتها ، فنحتوا مصطلح المنهاج curriculum ) ) و الذي يعرفونه بشكل عام ، بكونه ” مجموع تجارب الحياة الضرورية لنمو التلميذ ” و بكونه أيضا ” جملة ما تقدمه المدرسة من معارف و مهارات و اتجاهات … لمساعدة المتعلم ، على النمو المتوازن و السليم في جميع جوانب شخصيته ” .

و تبقى تلبية مطالب النمو رهينة دائما ، بطبيعة الحال ، باكتساب المعارف و المهارات و الاتجاهات ، شريطة أن يتم ذلك بمراعاة لاحتياجات المتعلم و خصوصياته وبتوافق تام مع إعداده للمشاركة المسئولة في الحياة داخل المجتمع .
على أن مراعاة خصوصيات الطلاب و العمل على تلبية احتياجاتهم يطرح إشكالا معقدا ، يمكن التعبير عنه من خلال التساؤلات التالية :

– لمن يعود أمر اتخاذ القرار في ضبط تلك الاحتياجات و تحديد الأسبقيات ؟ وكيف يتخذ القرار؟ وما هي آليات التنفيذ ؟
يبدو من الواضح ومن خلال هذا الإشكال ، أن بناء المنهاج ليس مجرد مسألة تقنية ولا يطرح قضايا إجرائية فحسب ، بل يطرح بناء المنهاج وتطويره كذلك و في المقام الأول ، قضايا فلسفية و سياسية واجتماعية وثقافية ، حيث تتدخل المبادئ و الانتماءات و جماعات الضغط . مما يفسر ويبرر في نفس الآن ،إلحاح معظم الباحثين على تفصيل الحديث ، في بدايات تقاريرهم و مؤلفاتهم ، عن الأسس الفلسفية و الاجتماعية و المعرفية و النفسية وغيرها ، في تصميم المناهج وتطويرها.

2.1- مستويات المنهاج
درج الباحثون التربويون في العقدين الأخيرين ، على الحديث عن ثلاثة مستويات لتخطيط المنهاج الدراسي و تطويره :
المستوى الأول هو تخطيط المنهاج على الصعيد الوطني ( المنهاج القومي الرسمي )، والذي يوضع بإشراف من المصالح المختصة بالوزارة الوصية على التعليم . وأهم ما يميز المنهاج على هذا المستوى هو طابعه الشمولي و الموحد و تركيزه على المبادئ الأساسية و ترجمة فلسفة المجتمع و قيمه ومثله العليا و تشخيصها من خلال التوجيهات الرسمية و المذكرات والكتب المدرسية وغيرها .

المستوى الثاني يكمن في تشخيص المنهاج الرسمي و إعادة صياغته عند محاولة تنفيذ التوجيهات والمذكرات الوزارية، بمراعاة خصوصيات كل مؤسسة و إمكانياتها و الاحتياجات المحلية و ظروف حياة الجماعة التي تنتمي إليها.

وعلى هذا المستوى يتحدث المختصون في المناهج التعليمية ، عن المنهاج المندمج للمؤسسة ، و معناه أنه و بالإضافة إلى وجود منهاج رسمي وطني عام وموجه لجميع الطلاب في مختلف الأقاليم ، هناك نوع من المنهاج “المعدل”أ و المكيف و الذي يلائم خصوصيات المؤسسة والخصوصيات الاقتصادية و الثقافية للمنطقة واحتياجات سكانها …

المستوى الثالث للمنهاج يتمثل في برمجة الخطط الدراسية و تحضير الدروس التي ينجزها كل معلم حسب تخصصه والمستوى الدراسي الذي يتعامل معه . كما يتمثل أيضا ، في النشاط التعليمي الفعلي و أسلوب المعلم في التعامل مع التوجيهات و تنفيذ المقررات . و هنا نصل إلى أدنى مستوى من مستويات المنهاج و أغناها ، على اعتبار أنه يمثل المرحلة ” النهائية ” و الدقيقة في تأثير المنهاج في شخصية التلميذ وتحقيق أهدافه العامة و الخاصة.

3.1- المنهاج بين التخطيط والتنفيذ
كما يطرح بخصوص تعريف المنهاج و تحديد طبيعته، إشكال آخر يرتبط بالمسافة بين اتخاذ القرار و تنفيذه . الأمر الذي جعل العديد من الباحثين ( وينجرت وجرينبرج ،1996، ووليم عبيد ،1999، …) يميزون في تصنيفهم للمناهج بين :

– المنهاج المستهدف : أي الذي تتصدره المبادئ و المثل العليا و القيم والأهداف العامة من خلال التوجيهات الرسمية على الصعيد الوطني ؛
– المنهاج المقرر : المتمثل في الكتب المدرسية والذي يأتي مضمونه أقل من المنهاج المستهدف ؛
– المنهاج المنفذ : والذي يتم تدريسه فعلا داخل الفصل فتتراجع نسبته عن المنهج المقرر ؛
– المنهاج المحصل : وهو الحصيلة المتبقية في الأخير لدى التلميذ و تقيسه الاختبارات النهائية و الذي لا يزيد ” حجمه ” في المتوسط عن 40 % من المنهج المنفذ .

كما تثار بخصوص تعريف المنهاج و رسم حدوده ومجالات تدخله ، مسألة ما ظهر من المنهاج و ما خفي ( أي ما يعرف بالمنهاج الخفي أو الضمني ) ، وهي مسألة شديدة الحساسية وتتلخص في كون المعلم ( و المدرسة بشكل عام ) ، لا يعلم فقط ما هو مسطر في الوثائق و المذكرات و الدلائل و الكتب المدرسية التي تجسد وتشخص المنهاج الرسمي ولا يلقن فقط الأهداف المعلنة و الصريحة ، وذلك مهما كان حريصا ومهما بلغت درجة عنايته ودقته وتقيده بحرفية النصوص و التوجيهات . بل إنه يعلم بشكل ضمني ، أشياء أخرى ويستهدف عن وعي أو دونه ، أغراض غير معلنة وغير مكتوبة . لماذا ؟

لأنه وكما هو معلوم ،تتشكل لدى المعلم ( والحقيقة لدى جميع الناس ) خلال دراساته وتكوينه الأكاديمي و التربوي و خلال نموه المهني ، قناعات و أفكار خاصة به ، فضلا عما راكمه في شخصيته من تجارب و ما عاينه من خبرات تربوية في مدرسته وداخل أسرته . ويؤلف من كل ذلك ” تشكيلة ” أو “نظرية تربوية ضمنية ” خاصة به ، تقوم بدور الغربال أو المصفاة لكل ما يمر من معلومات وتقنيات وتوجيهات تربوية … لذلك فهو ينفخ في المنهاج قليلا من عنده ويطبع المقرر بطابع خاص. ثم إن التلميذ لا يتأثر فقط بما يقوله المربون في المدرسة بل بما يفعلون كذلك، و بالشحنات الوجدانية التي ترافق سلوكهم و أداءهم وأسلوبهم في التعليم .. . كما يتأثرون خلال المدة الطويلة التي يقضونها في المدرسة الأساسية و الثانوية (حوالي 12ألف ساعة ) بزملائهم أثناء اللعب و المذاكرة ويتأثرون بالجو العام السائد في المدرسة و بالأنشطة وبتجارب النجاح والفشل …

الأمر الذي جعل بعض الباحثين يعتقد ،ربما بنوع من المبالغة ، في أن كثيرا من مخرجات التعليم لم تعد هي المخرجات المستهدفة و لا المتوقعة من المناهج المقررة و المعلنة رسميا .

2– تطوير المنهاج ، معناه ودواعيه
1.2- معنى التطوير
يعني التطوير بصفة عامة ، الوصول بالمستهدف المرغوب تطويره ، سواء أكان نظاما أم مؤسسة أم برنامجا … ، إلى أحسن صورة حتى يؤدي الغرض المطلوب منه بكفاءة ، ويحقق ما رسم له من أهداف على أتم وجه ، بطريقة اقتصادية في الوقت و الجهد و التكاليف . الأمر الذي يستدعي تغييرا في شكله و مضمونه ، تغييرا مقصودا ومنظما نحو الأفضل .

إن التطوير عملية شاملة تنصب على جميع جوانب الموضوع المستهدف . فعند تطوير المناهج الدراسية على سبيل المثال ، لابد أن يشمل التطوير جميع مكوناتها من مقررات و أهداف و طرق ووسائل و كتب مدرسية و أسلوب التقويم … بل إن التطوير بهذا المعنى ، ينصب على الحياة المدرسية بشتى أبعادها ، فلا يركز فقط على المحتويات العلمية كما كان الأمر في النموذج التقليدي و إنما يتعداها إلى الأنشطة و طبيعة الأداء القيادي و نظام التواصل و علاقات المدرسة بالبيئة والمجتمع المحلي…

ثم إن التطوير عملية ديناميكية ، على اعتبار أن جميع العناصر التي يصيبها التغيير تعمل بتفاعل مستمر ، بحيث يؤثر كل عنصر في العناصر الأخرى ويتأثر بها .

كما أن تطوير المناهج ليس نشاطا آحادي الاتجاه ، من أعلى إلى أسفل ، بل هو نشاط متفاعل يسير في الاتجاهين بشكل متزامن ، من أعلى إلى أسفل و من أسفل إلى أعلى .

كما أن التطوير ليس قرارا سلطويا يفرض من خارج السياق أو فرديا يتولى أمره بضعة أفراد ، بل هو نشاط اجتماعي تعاوني وتشاركي ، نابع من الاحتياجات الحقيقية للأمة و يساهم فيه الجميع ، المخططون على المستوى المركزي و المحلي ، المدرسون ، أولياء التلاميذ ، الموجهون … ويرى المشتغلون بنظريات المنهاج ، أن التطوير الناجح للأنظمة التعليمية وإصلاحها لا يمكن أن يتم إلا إذا مس جوهر التنظيم المنهاجي بها . وهذا ما حدث بالفعل عندما ظهرت التنظيمات الحديثة للمنهاج و التي لم تبق حبيسة منهاج المواد الدراسية الذي يتميز بشدة تركيزه على المعلومات و قلة اهتمامه بالتلميذ واحتياجاته و مطالبه في النمو .

المقال السابقغروب
المقال التالىمفهوم التكتلات الاقتصادية الدولية
الدكتور عادل عامر دكتور القانون العام ونائب رئيس اتحاد الاكاديميين العرب وعضو المجلس الأعلى لحقوق الانسان مدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية مستشار وعضو مجلس الإدارة بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا مستشار الهيئة الع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد