الفنون التشكيلية ج1

 

قبل الدخول في موضوعنا الرئيس ( الفنون التشكيلية ) لابد من توضيح الفن بشكل عام:
الفن هو عبارة عن منطق واشارات ينقلها الانسان بطريقة بنائية للاشكال تتوافق مع تعابيرهُ الداخلية العميقة وهي ترجمة لتعابيرهُ لمشهد معيّن أو موقف معيّن ينقلها بصورة فنيّة والتي تعبّر عمّا يدور في داخلهِ والمحيط الذي يعيش فيه، والفن مثل الأمور الأخرى التي يحتاجها الإنسان في حياتهِ كالماء والهواء ولا يمكن الإستغناء عنها ففيها الموهبة والتطورالثقافي والفكري عند الشعوب. الفن عبارة عن موهبة يمتلكها أشخاص معيّنين وهم الذين يتميّزون عن غيرهم في فن من الفنون ويبدعون فيها.

الفنون هي المعبرات التي استطاع بها الإنسان منذ القدم إظهارمشاعره وأحاسيسه، وتنمية قدراته، فالموسيقى هي الجسر الذي ينقل المشاعر بين الأشخاص، بواسطة الارسال السمعي، فلا يمكن لأي لغة في العالم نقل الأحاسيس التي تملئ القلوب كالموسيقى، والرسم وفروعه الاخرى هو وسيلة التعبير عن الجمال والأفكار والمشاعر عن طريقة اللون والخط، أما السينما فهي وسيلة التعبيرعن وجهات النظر والأفكار والمشاعرعن طريق الحركة والموسيقى أوالحوار باستخدام الكاميرا والمؤثرات البصرية والصوتية فهي فن متكامل بامتياز، لانه يجمع بين السمعية والبصرية. وهناك فنون ارتبطت بتجميل ما يتعامل مع الإنسان يومياً، فالفنون السابقة ابتدعها الإنسان لتنمية الدواخل والمكنونات البشرية والتفاعل النفسي بين مختلف الأجناس البشرية بدون وجود أدنى قواسم المشتركة بينهم. تطلق تسمية الفنون التطبيقية على الفنون التي تتعلق وتهتم بتجميل كافة ما يتعامل معه الإنسان يومياً من ماديات ومحسوسات، فتطوير الأشكال الهندسي ودمجها معاً لإنتاج قلادة مثلاً، او تطريز اقمشة وغيرها، يعد فناً تطبيقياً. تتنوع الفنون التطبيقية وتتعد أشكالها وأهدافها، فمن أهداف الفنون التطبيقية تجميل المساكن، وتجميل الزينة، وتجميل الملابس، وتجميل الأدوات، وغيرها.

أما بالنسبة للأنواع فمنها الجرافيك والزخارف وصناعة المجوهرات والنسيج والإعلانات والتصوير والأزياء والديكور والعمارة وغيرها من الأنواع المتعددة للفنون التطبيقية.

من ذك نستنتج بان هنالك فنون سمعية كالموسيى، وهناك فنون بصرية او مرئية يتعامل معها البصر واللمس، كالرسم، والنحت، سيراميك، جداريات، تصميم هندسي، زخرفي، والهندسة المعمارية، كلها تسمى بالفنون التشكيلية، اما الفنون المسرحية، فانها تجمع بين السمعية والبصرية في وقت واحد.

أما في مايخص موضوع بحثنا الحالي حول ( الفن التشكيلي):
تعد الفنون التشكيلية من أجمل الفنون بصرياً، وهي كل شيء يأخذ من أرض الواقع وصياغتهِ بشكل من الأشكال تشكيلاً جديداً مستوحاه من فكرة جديدة والتي تعتبر من التشكيل أوالتجسيد لشيء معيّن. الفنان التشكيلي هو الذي يحترف هذا الفن والمبدع فيه، ويقوم بأخذ التفاصيل المستوحاه من الواقع الذي يعيشهُ والمحيط الذي يمر بهِ وينقلها بصورة وبطريقة رؤيتهِ للأمر والمنهجيّة التي يتبعها ويصيغها بفكرة جميلة تجعلهُ مميزاً عن غيرهِ، بمعنى اخر ان الفن التشكيلي هو قيام الفنان بتفكيك أجزاء التكوينات الطبيعية، ثم قيامه بتشكيل الأجزاء على وفق رؤيتهِ الخيالية الخاصة.

الفن Art:
“هو متعة استطيقية او لذة جمالية Gsanty,p200, 1905) عرفه سانتيانا G.Sauaya,. وقد ورد في دائرة المعارف البريطانية: “ان الفنون الجميلة هي بين شتى فنون الانسان، تلك التي تنبع عن نزوعه نحو عمل اشياء او انتاج موضوعات بطرق خاصة اولاً من اجل اللذة الخاصة المستقلة عن اية متعة مباشرة، وثانياً من اجل اللذة المماثلة التي يستشعرها من مشاهدة او تأمل تلك الاعمال التي حققها غيره من الناس”. وقد عرف شارل لالو Lalo الفن بقوله “هو عبارة عن عملية التعديل او التغير اللذين يدخلهما الانسان على مواد الطبيعة، وعرفه كانت Kant بـ”ان الفن عمل يقصد من ورائه المتعة الجمالية الخالصة” وعرفه ديلاكروا Delacroix بقوله “ان الفن لا يبدأ الا في اللحظة التي يتمكن فيها المرء من الانصراف عن الطابع النفعي للحياة لكي يحرر نفسه من حصاد المنفعة وارادة الحياة. اما تولستوي Tolstoi فيعرف الفن بانه “ضرب من النشاط البشري الذي يتمثل في قيام الانسان بتوصيل عواطفه الى الاخرين. وقد عرفه رودان Rodan بقوله “ان الفن مظهر لنشاط الفكر الذي يحاول ان يتفهم العالم وان يعيننا نحن بدرونا على ان نفهمه. واما سوريو Soria فقد عرف “ان الفن بانه “نشاط ابداعي من شأنه ان يصنع اشياء او ينتج موضوعاً”

واما تعريف هربرت ريد: للفن فهو “محاولة لابتكار اشكال ساره، وهذه الاشكال تقوم باشباع احساسنا بالجمال، ويحدث هذا الاشباع، خاصة عندما نكون قادرين على تذوق الوحدة والتآلف الخاص بالعلاقات الشكلية بين ادراكاتنا الحسية”( الرويضي ، ط1، ص.. ،1955. وقد عرف الفن ستولنتيز بانه “المعالجة البارعة والواعية للوسط من اجل تحقيق هدف.

مما تقدم يبدو ان مفهوم الفن غير ثابت على وفق مقاييس محددة فنجده تارة يرتبط بالمهارة، فقد جاء الجذر اللغوي الخاص بكلمة فن Art في الانجليزية، وفي العديد من اللغات الاوربية من الجذر اللاتيني ars الذي يعني “المهارة”. وما زال هذا المعنى – الاصل – موجوداً وملازماً لمعنى او جوهر الفن حتى الآن، وفي تارة اخرى قد اضيفت اليه دلالات عدة تؤكد استخداماً خاصاً للعمارة والخيال وانتاج موضوعات وبينات وخبرات جمالية.. وقد اشار ايدمان الى وجود ثلاث وظائف اساسية للفن هي التكثيف والتوضيح، والتأويل للخبرة الانسانية. وقد كان العرب يستعملون كلمة (الصناعة) للاشارة الى الفن عموماً كما يظهر من تسمية أبي هلال العسكري لكتابه (كتاب الصناعتين) المخصص للكتابة والشعر باسم ونرى المحدثين فرقوا بين علم الجمال الذي يشمل جمال المضمون والاستطيقيا التي تشمل الجميل والقبيح، وان القبيح يحقق المتعة الجمالية عن طريق الابداع الفني، المرتبط بنقل مضامين لحياة ناس في بؤسهم ومعاناتهم في كل الاحوال في المحيط الذي يعيش فيه من البيئة البائسة، او ملامح الوجه، ييتجسد تلك الصيغ التشكيلية بطريقة تعبيرية هادفة، تجذب المشاهد عن طريق الاثارة والمضامين الانسانية، وليس بملامح اخراجها الجمالي. فرق بعض المعنيين بين مفهوم الجمال واللذة مثل الروائي تولستوي.

لذلك نجد ان مفهوم الفن قد تعددت فيه الرؤى والتعريفات والتعبير عنه تبعاً للفلسفات والازمنة والمفاهيم العامة التي يرتبط بها الفن. ونحن نتبنى رأي المحدثين بان الوظائف النفعية للعمل الفني لا تكاد تنفصل عن وظائف الاستطيقيا، لان العمل الفني لا يرتبط مضمونه بالضرورة بعمل جميل او تقتصر وظيفة الفن على انتاج الجمال، ويتضح ذلك جلياً في: تعريف سوريو الذي يقول “أن الفن هو نشاط ابداعي من شأنه ان يضع اشياء او ينتج موضوعات” لان اغلب افعال الانسان تتجه في العادة نحو (احداث)، في حين ان النشاط الفني

انما يرمي الى انتاج (موجودات) او تكوين (اشياء)، اذ يرى سوريو تبعاً لذلك ان الصلة وثيقة بين (الفن) و (الصناعة)، لان لكل فن صناعة ولكل صناعة فناً.

وبالرغم من ربط الفنون ومنها ( التشكيلية) عبر التاريخ بحاجة الانسان المادية ومراحل ادواتها الصناعية المبتدئة، الا اننا نرى حسب وجهة النظر، ومن خلال التجارب العملية والمعرفية بان الانتاج الفني يرتبط بالهواجس والمشاعر والعواطف الوجدانية، التي تساهم في صياغة المنتوجات الفنية بصيغة مختلفة عن اصول محاكاتها للطبيعة، كما ان الااختلاف بين المشاعر والرؤى بين شخص وآخر، يجعل هنالك فوارق مشخصة بين منتج وآخر من خلال الاساليب والتكنيك والانعكاس النفسي والفكري لحلق تباين بين منتوج وآخر، بل ان الفنان ذاته تتغير صيغ منتوجاته الفنية بين مرحلة واخرى حسب الظروف التي تطراء عليه وعلى محيطه الذي يعي فيه وعلى المتغيرات العالمية بشكل عام..نجد تلك المتغيرات واضحة عند الفنان (بابلو رويز بيكاسو) في مرحلة مايسمى بالزرقاء والحمراء والتجريد والتكعيبية والتعبيرية، والامر يتجسد كذلك عند فنانين آخرين، تشكيليين وفنون اخرى.

المقال السابقمفهوم التكتلات الاقتصادية الدولية
المقال التالىأبو ظبي ودبابات البابا !
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد