تأمّلات في المجموعة الشعرية{حين حرّرتُ صمتي} للشّاعرة لمياء المجيد


 

الشاعرة لمياء المجيد بكتابين شعريين تدخل عالم النّشر والانتشار ، شاعرة شابة آتية من مدينة قليبيّة التونسيّة الساحليّة الهادئة الخلاّبة السّاحرة ، بهذا الشعر المتأثّر بزرقة السّماء و صوت البحر و روعة الحوت المسبّح في بطون الأمواج و النّسائم العطرة ورائحة الياسمين و طيبة قليبيّة البهيّة و برفعة القليبيّين النشامى المسالمين الرّاقين ، تجدنا نتلمّس هذه الفسيفساء طيّ قصائد لمياء المجيد ، إنّه قول شعري لا يبتغي المجاملة مثل صاحبته لمياء المجيد بل يرجو المجاهرة بالنّقد لدرء النّقائص إن وُجدت و تأسيس نصّ شعريّ متين يبني المقصود ويرنو إلى المنشود ، قول شعري لصوت شعري تونسي متميّز لا يقتفي أثر السّابقين بل يهندسُ صُورًا شعرية تبدو لك منذ الوهلة الأولى صورا مألوفة ولكنّها حمّالة معان و نزّاعة تأويل ، صوت شعريٌّ نراه يتألّق شيئا فشيئا و ضمانة ذلك أنّ لمياء المجيد مصرّة على تطوير تجربتها الموثوقة إلى ثقافتها الموسوعية ، شاعرة تؤمن بالنّقد و تحترم سلطته وتعملُ بالمناصحة و الإرشاد ، لم تكن لنا صلة مباشرة بلمياء المجيد في اليوميّ المعيش، ولكنّنا نجد أثر ذلك في القصائد المحمولة إلينا بالبريد ، القصائد تنبئ عمّا قلنا وأكثر ، إنّها تجربة لازمت الصّبر ، ونار الصّبر لا يطيقها إلاّ الإبريز ، ولذلك نجد الحلم و الأمل و النّور يعُمّ فضاء و مضمون النّصوص ، رغم السّواد المبثوث….إجرائيًّا سنخضع بعض القصائد لقراءة نقدية في دراستنا هذه علّنا نقدّم دلائل على ما قدّمنا به كتابي الشاعرة لمياء المجيد الموسومين بِ:
1- حين حرّرتُ صمتي صادر عن دار زينب سنة 2017
2 -موجات زفيري عن نفس الدّار سنة 2018

بهذه المقاربة النقدية سنحاول النّفاذ إلى عمق هذه التجربة الشعرية الفتيّة للشّاعرة لمياء المجيد ، وسنهتم في القسم الأوّل من عملنا بديوان { حين حرّرت صمتي } ثم بالدّيوان الثّاني { موجات زفيري}.

1- تأمّلات زيّانيّةٌ في ديوان { حين حرّرت صمتي} :
صدر الشّاعرة لمياء المجيد ديوان { حين حرّرت صمتي} سنة 2017 عن دار زينب للنّشر ، متوسّط الحجم يتألّف من أربع وأربعين قصيدة ممتدّة في مائة وعشرين صفحة ، وعنوان الدّيوان هو العتبة الأولى الّتي تستوقفنا ، لأنّه عنوان أوّل قصيدة تفتتح بها الشّاعرة كتابها ، وتبدأ الشاعرة ب{ حين حرّرت صمتي} وفعل تحرير الصّمت أنتج قصيدة و ولّدَ ديوان شعر ، ومضاتٌ متناوبة تؤسّس النّص ، يختلط فيها الفلسفي بالشعري ،وتواصَلَ فعل التّحرير والتّحرُّر ، إذ نجد قصيدة {أحرّر صمتي}، وتتقنُ الشاعرة لعبة الأفعال { حرّرتُ/ فعل ماضي ـــ أحرّر/ فعل مضار} ، فالقول الشعريُّ بدء دائم كأنّه السّؤال الفلسفي، وتتواتر الأفعال و تتكاثر، ونتعقّبها وننفذُ إلى عمق القصائد وفي تراتيل{تضيقُ المفردات/ يتقلّص حجم الحروف والكلمات} فالشّاعرة منذ الوهلة الأولى توغل في الذّات و تلخّص تجربة حياتية {فرحة ..دمعة ..عميق إحساس/ هي أنا }، تذكّرنا بجبران خليل جبران في دمعة وابتسامة ، نجد لمياء المجيد تخرجُ من الزّمن و تتفلّت منه بتأملات ترتقي بالقصيدة إلى أرفع مراقي الحكمة ، هنا الشعر ضرب من ضروب الحكمة و التّفلسف ، ونجد سمة التّفلسف و التجديد الشعري مقترنين ببعضهما بل ومتواشجين ، فلا يُمكن الفصل بينهما ، كأنّنا بالشاعرة مدركة تماما لمسألة الحداثة و ما بعد الحداثة الشعرية ، قصيدة النّثر الّتي ترتوي من معين الفلسفيِّ ، فلمياء المجيد تخالف و تختلف و لا تخاتل و لا تنسج قصيدة نثرية عنكبوتية واهنة مُجهدة ، إنّها تتقن كتابة قصيدة النّثر بصميمها الصّحيح و لبّها الحقيقي ومكنونها العذب لأنّها ممتلكة لجوهر العملية الإبداعية ، إنّها القدرة على التّفلّت من شرط الزّمن. ونصوص هذه الشّاعرة تتضمّن رؤية متجدّدة لمفارقات الوجود ، إنّها مَلكة التّخييّل الخارقة الّتي تميّز هذه النّصوص عن غيرها الشّاعر فيلسوف يقارعُ خفايا الدّنيا وخبايا الزّمن ، يبحث عن الهويّة ويلجُ المسكوت عنه ،ويُنطق الأكمه و الأعرج و يستكشف أحراش الرّوح و العقل و القلب ، ويحفر في دواخلهم ومداخلهم ، ريح دائريّة هي القصيدة تنطلقُ فتتفجّر القصائد معاني موصولة بالإنسان و بمشاغله وشواغله والمحيّرات الكبار. وفي قصيدة تعب تعود و تسائل { مابال المعنى قد أفل / بين الموج قد احتجب / الحرف يتلاشى في زخم الكلمات}ويحضر البحر{يهيج البحر/ يزمجر البحر/يزبد البحر} فالبحر بحار، والبحر إنسان ، والإنسان بحار ،قد تبدو المسألة في ظاهر الأمر بسيطة و مباشرتيّة فجّة ، ولكن الأمر يختلف حينما ندرك المعنى في قصائد{ تعب، أنّات ، دعوة دفينة للتّمرد ، تحريف، إيقاع الصّمت، نداء،} ونجد قصيدة بعنوان{ إيقاع الصّمت، صفحة 66}، و يتكثّف حضور الصّمت على امتداد القصائد {المذبوحة بالصّمت ، هشيم الصّمت ، صمتا عند ذي البوح ، تلبس الصّمت ، و الفاعل الصّامت ، أحرّر صمتي ، أكسّرُ رداء الصّمت صمت الرّمال ألوذ بصمتي ، كلّ صمت يتحرّك ،بالدمع تنسجُ صمتا أبديا ، } إنّه حشد كثيف من تحرّكات الصّمت بأثواب مختلفة داخل نصوص هذه المجموعة الشعرية ، ونتحسّس النّبرة الشّفافة التي تتحكّم في النّصوص ، نبرة التّفاؤل / الحلم ، إنّها ذات مرهفة تصارع مأساوية الحياة وقُبح الإنسان أحيانا أو غالبًا ، وتقارعُ العذابات ، إنّه صراع عنيف لم يرغب فيه الإنسان بل ابتغته قوى الشّر و العداء ، وينشأ كون شعريُّ دراميٌ يحيلُ على واقع الإنسان المرير ويكشفُ هول التّناقضات ، وهنا تحضرمقولة محمود المسعدي {الأدب مأساة أو لا يكون} ،وهذه إشارة أخرى تؤكّد حِرفية الشاعرة لمياء المجيد و اقتدارها على كتابة قصيدة النّثر ، فهي تتفلّت من الزّمن لتدخل الذّات ، وتحفر في المسكوت عنه وتفجّر الصّمت ليتشظّى ويصبح صمتا تلوى صمت ، ولكلّ صمت حكاية وفي كلّ حكاية صمت ، إنّها تصوّر تجليّات الصّمت ، وكلّ صمت في هذه النّصوص مخيف ، لأنّه ليس الصّمت المعتاد في الوقع الحقيقي وأنّه ملاذ العاجز و الضّعيف ، الصّمت في هذه القصائد حركة / صراع / تأمّل / سؤال/ لهثٌ خلف الحقيقة / فرار من وطأة العالم السّفليّ/ معارك ، وفي باطن ذلك الصّمت تدفع الذّاكرة الصّراع نحو الأمام ، تعرّي الواقع و تكشف ماضي الذّات الحاضرة / التّائهة ، ممّا يعمّق المأساة الإنسانية أحيانا ، نصوص تكشف الشيء وضدّه داخل حصون الذّات وخارجها ، ممّا يجعل الإنسان يعيش تمزّقات رهيبة تلازمه وتتجلّى في شكل محاورات :{ وجرحي من يضمّدهُ ؟ / وليلي طال تنهّده / جفني طال تسهّده/ فأين النّجم يبدّده ؟ / أين الفجر يورّده ؟ … أأفجّرُ البحر في الطّين ؟ هل يضيء القمر ليلي ؟ أأنسى ذاكرتي ؟؟ / أأقتل الصّمتَ ، في شجن الدّمع ؟؟/ أم أولدُ و الوتر ينهضُ في لغتي ؟؟ } .

والممتع والطّريف في هذه النّصوص أنّ الشاعرة لمياء المجيد توظّف بكثافة الجُمل الفعلية وأفعالا مختلفة ، فتُشكّلها في حلقة دائريّة ، وتجعل {الأنا/ الحالمة /المفكّرة } مركز هذه الدّائرة ، ولا تخلو النصّوص أيضا من ظاهرة التّضادّ : فرحة *ــــــــ* دمعة / بياض *ــــــــــ* سواد / هشيم الصّمت *ـــــــــ* سيول الكلمات / الأباطيل*ــــــــ* تراتيل الصدق / ، ونلاحظ حضور تفاصيل الذّات و الواقع المعيش ، وهي مكوّنات النّصوص ، وكذلك تواتر الصُّور الشعرية{ نجمي طفل وديع .. احملني علّني هناك في بحرك أغتسلُ ..أنت معنى مختلف .. سيف الغدر تغمده ..} ، و تتقنُ الشّاعرة الضربة القاضية في نهاية كلّ قصيدة لتخرق أفق انتظار السّامع والقارئ وتأتي بالجديد { أأقتُل الصّمت ، في شجن الدّمع ؟؟ / أم أولد ، والوتر ينهضُ في لغتي ؟؟} ، وتُحسنُ تقنية التّكرار بغية إحداث إيقاع منضبط وتستثمر الصُور البصرية{رفعتُ أسوارا من الورق / الورقُ .. يتبلّل ..}{ضباب، / أجوب الضّباب / بحثا عن الشّراب / بين الشعاب والهضاب/ لأم أجن إلاّ السّراب }.

هكذا كانت هذه التأمّلات ، حاولنا أن نرصد ملامح الشعرّية في قصائد الشّاعرة لمياء المجيد ، ونتبيّن العلاقة المتينة التّي تربط قصائدها بالفلسفيِّ من ناحية ، وبقضايا الإنسان المعاصر من ناحية ثانية ، ونكشف حرفيتها في كتابة قصيدة النّثر في ضوء توفّر شرط ذلك فنيًّا في بناء و مضمون النّصوص . ونحسبها قد فعلت ، فهي تخوض في الذّات ومحارقها و مباهجها وأحاديثها وهمسها وصمتها ، وتخوض في متون الحياة و أسرارها و أذكارها ، وأمّا أركان البنية الإيقاعية في نصوصها متوفّرة و مقوّمات قصيدة النثر متوفّرة كالصُّورة الشعرية و وحدة القصيدة وتوفّر التّكثيف ، أمّا الرّؤيا أيّ النبّوة الشعرية أيّ الإدراك العميق ، فنعتقد أنّ الشّاعرة لمياء المجيد ستكتسبُ ذلك ونرى أثره في أعمال أخرى شيئًا فشيئًا ، أليس الطّموح الجوهري للإنسان الشّرقي أن يكون نبيًّا ؟ ، نبّوة الإدراك العميق لما يدور حوله وامتلاك النّظرة الاستقرائية الثّاقبة للمستقبل و نكتشف الذّات المختلفة ، لها نظرة استقرائية للمستقبل تقوم عليها النّصوص و تتغذّى بها ، فتكون قصيدة النّثر تامّة الشّروط حصينة متينة.
نكرّر تثميننا هذه النّصوص ، الّتي نظفر فيها بملامح شاعرة واعدة وبصوت شعريّ يفهم الأمور ، ويبتغي التّجويد و التّفرد ، و لمياء المجيد تقدر أن تفعل و تقول .

.

Garanti sans virus. www.avast.com

لا تعليقات

اترك رد