الوحدة الإنسانية ومنظورها الروحاني 3-1

 

لا شك أن محور هذا الموضوع يدور حول كون الإنسان مخلوقاً روحانياً في طبيعته، مما يعني أن هناك قوى تعلو فوق الغرائز والإنفعالات والأفكار، ذلك لأن في الإنسان طاقة كامنة أفضل وصف لها هي استعداده للعروج إلى أعلى المستويات وقدرته على التحوّل والغيير. فتفرُّد حياة الإنسان وتميّزها ليس في قدرته على البقاء ولا في الإحساس وإبداء المشاعر ولا حتى في القابلية على اكتساب المعرفة، وحتى لو كان الجنس البشري يفوق سائر الكائنات في كل هذه الأمور، فإن هذه المواهب والقدرات لوحدها لا تعبِّر عن إنسانيتنا تعبيراً تاماً.
إن ما يجعل منّا كائنات إنسانية قدرتنا، إن أردنا، على اختراق حدود كفاحنا من أجل البقاء إلى آفاق من الوعي وإدراك العالم من حولنا.
بكلمات أخرى بإمكاننا أن نأتي بمرحلة جديدة منيرة في مسيرة تطور الحياة وتأسيس الحضارة الإنسانية. وحتى نسير في هذا الرّكب يلزمنا وعي جديد – سماوي في مصدره، عالمي في تطبيقه، عصري حديث في تعاليمه ومفاهيمه، يستجيب لحاجات العالم الحالي ومتطلباته وعلمي في تقارباته. من بين الأبعاد الرئيسة في هذا الوعي الجديد نرى ثلاثةً تُعتَبر المبادئَ الأخلاقية العامة للسلوك هي:
الحقيقة (الصدق)، الوحدة، والخدمة.
فعملية الترقي والتحوّل تلك تستدعي تبنّي هذه المجموعة من المبادئ إطاراً للعمل نُصيغ فيه نمط حياتنا ونعيد تشكيل علاقاتنا الزوجية والعائلية وتشكيل بُنْية مجتمعنا ونعمل على تأسيس نظام عالمي جديد يحل محل نظام قائم يتهاوى أثبت إفلاسه روحياً وفكرياً وخلقياً واجتماعياً. وجانب آخر من ذلك التحوّل والترقي إدراكنا بأن إعادة تشكيل الأنظمة، سياسيةً كانت أم اقتصادية أم اجتماعية في طبيعتها، بغض النظر عن مدى صبغتها العلمية، سوف تفشل ما لم نُعِدْ وصل نفوسنا بالله سبحانه وتعالى؛ ليس بالإله الغاضب شديد البطش والعقاب الذي لا هدف له ولا همّ، وهو السلطة التي لا تتجاوب، والذي همّه أن يُدخل “المختارين” و”الصالحين” من المؤمنين إلى “الجنة” ثم يسدّ بابها دون الآخرين من عباده، ولا هو بالإله الذي لا حول له ولا قوة، الضعيف، غير الرؤوف وغير القادر، ولا يريد إصلاح أمور العالم المزرية. بل إننا نتحدث هنا عن الخالق العليم الرحمن الرحيم الفيّاض الكريم، الله الذي خلقنا على صورته ومثاله فمنحنا المقدرة على المعرفة والعرفان والقدرة على المحبة وهدانا إلى الصراط القويم في وضع محبتنا في خدمة الإنسانية جمعاء، وهو الذي يؤيّدنا ويأخذ بيدنا نحو تأسيس مدنية دائمة التقدم مزدانة بالروعة والجمال، تحتضن أفراد الجنس البشري قاطبة داخل الحصن الحصين للوحدة والعدالة والمساواة. فالبشرية في القرن التاسع عشر والعشرين، وهي تودّع مرحلة مراهقتها الجماعية، نراها قد قطعت علاقتها بالله عن وعي منها وبكل فخر بكل أسف، إنه اضطراب فكري ونفسي يقود إلى هاوية منذرة بسوء العواقب وأوخمها. فعندما نبتعد عن الله ونتجاهل تعاليمه فإننا بذلك نسارع إلى خلق آلهة جديدة لنا لملء ما أصبحنا فيه من فراغ روحاني.
ولذلك فإن الإنسانية عندما رفضت حقيقة طبيعتها الروحانية وقطعت أوصال علاقاتها بالله ونبذت ما عنده لتأخذ بناصية نفسها، رأينا أن أربعة تطورات بارزة على الأقل قد طفت على السطح لتتظافر بالتساوي في تدمير النفس البشرية. وتلك هي:
1.ظهور الشيوعية الماركسية فكراً شائعاً في العالم وشكلاً من أشكال الحكم.
2.قيام المادية وجعلها إطاراً للبحث العلمي ومقياساً لإنجازات الإنسان.
3.تمجيد الوطنية والعنصرية على أنها الإنجاز الأنبل والأسمى في تحقيق التضامن والتكافل الإنساني. 4.وأخيراً ظاهرة التطرّف الديني على أنه السبيل الأوحد والأمثل للخلاص، والذي سيعيد وصل الفرد بخالقه ولا يقبل التحوير والتبديل.

وتابعوني في المقال القادم وما احدثته الشيوعية والمادية من دمار وخراب……

لا تعليقات

اترك رد