ولاَ أَتذَكَّرُ أَنِّي نَسِيتُ

 

وَ لاَ أَتذَكَّرُ أَنِّي نَسِيتُ
إلى أرواح من رحلوا و ما رحلوا
غَامَتِ الْأَرْضُ،
غَامَتْ خُطَاهَا النَّدِيَّةُ،
غَامَ التُّرَابُ،
وَ غَامَ السَّرَابُ إِلَى مَائِهِ الْغَائِمِ،
أَتَذَكَّرُ،
أَلْمَاءُ
يَسْتَبِقُ الْمَاءَ،
يَسْتَبِقُ الشَّوْقَ،
يَرْقَى
إِلَى وَجْهِهَا الْمُتَرَاقِي،
عَلَتْ بِالْمَآقِي،
تَرَاقَتْ
كَمَا أُفُقٌ شَاهِقٌ
يَتَرَاقَى،
يُرِيقُ مَرَايَا الْخَرَابِ الرَّفِيقِ،
السَّمَاءُ البَعِيدَةُ تَلْمَعُ،
تَرْفَعُ رَايَاتهَا بالمَدَى الدَّامِعِ،
السَّمَاءُ الْبَعِيدَةُ تَلْمَعُ،
تَرْفَعُ آذَانَهَا بِالصَّدَى الخَاشِعِ،
السَّمَاءُ الْبَعِيدَةُ تَهْمِسُ،
تَلْمَسُ كَفِّي،
تُؤَسِّسُ فِي قَاحِلِ الْحُزْنِ،
فِي غَابِرِ الدِّمَنِ
ذِكْرَيَاتِ أَقَاصِي الْمَطَرْ،
أَتَذَكَّرُ أَنِّي،
وَ أَنِّي نَسِيتُ،
وَ لَا أَتَذَكَّرُ أَنِّي نَسِيتُ،
وَ لَا أَتَذَكَّرُ،
لَا أَتَذَكَّرُ،
أَلْمَاءُ
يَشْهَقُ أَعْلَى مِنَ القَفْرِ،
أَلْمَاءُ
يَفْلَقُ سُخْرِيَّةُ الْصَّخْرِ،
أَلْمَاءُ
يَسْتَبِقُ الْأُفُقَ،
يَرْتَقِي
كَيْ يُرِيقُ الْمَدَى،
أَلْمَدَى
يَتَدَاعَى إِلَى قَاعِ فِكْرَتِهِ،
أَلْمَدَى
يَتَرَاقَى إِلَى قَاعِ تُرْبَتِهِ،
أَتَخَيَّلُ،
أَلْمَطَرُ الطَّالِعُ
مِنْ خُطَى الطَّالِعِينَ
إِلَى بَاحَةِ الْقَبْرِ،
أَلْمَطَرُ الطَّالِعُ
مِنْ خُطَى السَّائِلِينَ
إِلَى بَاحَةِ الْمَاءِ
يَبْتَهِلُ،
يَسْأَلُ التُّرْبَةَ الذَّاهِلَةْ،

أَتَخَيَّلُ
فِي غَمْرَةِ الْمَطَرِ،
مَطَرٌ يَتَطَايَرُ
فِي رَقْصَةِ الْمَوْتِ
مِنْ نَظْرَتِي،
أَتَضَاءَلُ
فِي حَفْلَةِ الْمَطَرِ،
مَطَرٌ
يَقْتَفِي أَثَرَ الْوَثَبَةِ الْغَابِرَةْ،
مَطَرٌ
يَصِفُ الْأَرْضَ،
أَلْأَرْضُ مَنْفَى الْأَغَانِي الَّتِي
تَتَرَاقَى إِلَى قَاعِ أَوْصَافِهَا،
تَتَذَكَّرُ
مَنْ كَانَ مُحْتَفِلًا بِالفَلَا الْآفِلِ،
تَذْكُرُ الأَرْضُ مَنْ كَانَ مُحْتَفِلًا،
تَذْكُرُ الْأَرْضُ مَنْ كَانَ مُمْتَثِلًا
بِمَرَايَا الصَّبَاحِ الْبَلِيدِ،
تَذْكُرُ الْأَرْضُ تَغْرِيدَةَ الطَّيْرِ
يَرْفَعُهَا الشَّجَرُ المُشْرِقُ
فِي اغْتِرَابِ الْمُؤَذِّنِ
فِي حُزْنِهِ الْكَامِنِ،
تَذْكُرُ الْأَرْضُ زُغْرُودَةَ امْرَأَةٍ
لَحَّنَتْ
مِنْ لَظَى شَوْقِهَا الحَارِقِ
فَرَحًا دَامِعًا
يَحْتَفِي
فِي عَنَانِ النَّشِيدِ،
تَعَنَّتْ،
وَ غَنَّتْ،
وَ غَابَتْ
كَآلِهَةٍ
تَتَضَاءَلُ
فِي نَايِ أَحْزَانِيَ الآثِمِ،

مَطَرٌ
يَتَغَمَّدُ عِصيَانَ مِرْآتِهَا،
مَطَرٌ
يَتَغَمَّدُ صَحْرَاءَ أَنَّاتِهَا،
مَطَرٌ
يَتَغَمَّدُ أَطْرَافَ غُرْبَتِهَا،
أَتَبَسَّمُ
قُدَّامَ بِلَّوْرِ مِرْآتِيَ الوَاهِيَةْ،
دَامِعَ الْخَطْوِ
أَمْشِي
إِلَى جُثَّتِي الْحَافِيَةْ،
أَتَعَثَّرُ
قُدَّامَ تَابُوتِيَ الْجَاثِمِ،
أَعْبُرُ الْمَوْتَ مُبْتَسِمًا،
أَتَعَثَّرُ
أَعْلُو
إِلَى تُرْبَتِي الْبَاسِمَةْ،

أَتَعَثَّرُ
قُدَّامَ مَقْبَرَةٍ
تَتَهَدَّلُ أَطْرَافُهَا،
أَتَضَاءَلُ
فِي غَمْرَةِ الْمَطَرِ،
وَ الْمَوْتُ
يَرْفَعُ تِمْثَالَهُ
هَهُنَا،
يَتَمَطَّى،
إِلَى آخِرِ الْمَطَرِ،
أَتَضَاءَلُ
وَ الْأَرْضُ
مَنْفَى الْخُطَى الذَّاهِبَةْ،
تَذْكُرُ الْأَرْضُ خُطْوَاتِ أَشْجَارِهَا الذَّاهِبَةْ،

أَتَضَاءَلُ
فِي غَمْرَةِ الْمَطَرِ،
دُونَ لَيْلٍ
يُغَازِلُ أَقْمَارَهُ الْقَمَرُ،
دُونَ لَيْلٍ
يُخَاتِلُ أَشْجَانَهُ السَّحَرُ،
أَتَضَاءَلُ
فِي آخِرِ اللَّيْلِ،
فِي آخِرِ الْكَأْسِ،
فِي نَظْرَةٍ
تَصِفُ الْعُمْرَ أَجْمَلَ
مِنْ دَمْعَةٍ فَارِحَةْ،
أَتَضَاءَلُ
فِي حَضْرَةِ الْغَائِبِينَ،
أُغَنِّي
إِلَى آخِرِ الْمَطَرِ،

أَلْمَوَاعِيدُ
طِينٌ
يُشَكِّلُ مِنْ طِينِهِ الطِّفْلُ تِمْثَالَهُ
وَ زَمَانًا بَهِيًّا
يُصَدِّقُ أَنْفَاسَهُ الْجَسَدُ الغَائِبُ،
أَلْمَوَاعِيدُ
إِيقَاعُ حُزْنٍ
يُلَحِّنُ مِنْ دَمْعِهِ الطِّفْلُ أَفْرَاحَهُ
وَ احْتِفَالًا رَتِيبًا
تُقَارِعُ أَجْرَاسَهُ حَفَلَاتُ الْمَغِيبْ،
أَلْمَوَاعِيدُ
نَهْجٌ
يَعُودُ إِلَى نَهْجِهِ الطِّفْلُ مُغْتَرِبًا
غِنَاءً نَجِيًّا
يُسَاوِرُ أَطْرَافَهُ اللَّهَبُ،

أَتَذَكَّرُ أَنِّي،
وَ أَنِّي نَسِيتُ،
وَ أَنِّي
أَرَى مَا أَرَى
بِالْفَلَا الْكَادِحِ،
أَرَى مَا أَرَى
خَلْفَ بِلَّوْرِ شُبَّاكِيَ الْفَارِحِ،
وَ أَرَى مَا أَرَى
فِي احْتِفَالِ الثَّرَى،
أَتَذَكَّرُ أَنِّي نَسِيتُ،
وَ أَنِّي أَرَانِي
هُنَاكَ
أَذُرُّ الْأَغَانِي عَلَى تَلَّةٍ
أَوْغَلَتْ فِي خَيَالِ الْفَلَا الشَّاسِعِ

المقال السابقأشياء لا تعرفها عن اللون
المقال التالىيوم الجمعة الاسود !
عمر سبيكة، مولود في 14 أكتوبر 1958 بمدينة حمّام الأنف، زاول تعليمه الابتدائي بمدرسة كازا طلليانة الإبتدائية و زاول تعليمه الثّانوي بمعهد الحبيب بورقيبة بحمّام الأنف. و زاول تعليمه العالي بالمعهد الأعلى للنّسيج بقصر هلال، متحصّل على شهادة مهندس مساعد في النّسيج، اختصاص صباغة وتكملة. يشغل....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد