هويتنا العربية بين التأصيل والمسخ ؟؟


 

بداية ، يجدر بنا التوقف عند مصطلح الهوية ، حيث يشير مفهوم الهوية إلى ما يكون به الشيء ” هو هو “، أي من حيث تحققه في ذاته وتمييزه عن غيره ، فهو وعاء الضمير الجمعي لأي تكتل بشري ، ومحتوى لهذا الضمير في الآن نفسه، بما يشمله من قيم وعادات ومقومات تكيّف وعي الجماعة وإرادتها في الوجود والحياة داخل نطاق الحفاظ على كيانها .

أما مفهوم المسخ أو التمييع فيعني حالة الضياع التي تعاني منها الشخصية العربية المعاصرة ، نتيجة تشتت الدولة / النظم الحاكمة في صياغة مشروعاتها الفكرية والثقافية ، فهي في منزلة بينية ، بين التراث والحداثة ، بمعنى أن خطاب الدولة الحديثة وما طرحته على شعوبها من قيم ومشروعات ثقافية كان فاقدا نقطة الارتكاز ؛ بين ترسيخ تراثنا وثقافتنا ، والمناداة بالحداثة والتقدّم ، فكانت النتيجة : مسخ الهوية للعربي المعاصر، وتغييب الروافد المكونة لهذه الهوية .

ومن العسير أن نتصور شعبا بدون هوية ، فمن نافلة القول تأكيد ما أثبتته الدراسات السوسيولوجية المعاصرة من أن لكل جماعة أو أمة مجموعة من الخصائص والمميزات الاجتماعية والنفسية والمعيشية والتاريخية المتماثلة التي تعبّر عن كيان ينصهر فيه قوم منسجمون ومتشابهون بتأثير هذه الخصائص والميزات التي تجمعهم . ومن هذا الشعور العام، يستمد الفرد إحساسه بالهوية والانتماء ، ويحسّ بأنه ليس مجرد فرد نكرة ، وإنما يشترك مع عدد كبير من أفراد الجماعة في عدد من المعطيات والمكونات والأهداف ، وينتمي إلى ثقافة مركبة من جملة من المعايير والرموز والصور ، وفي حالة انعدام شعور الفرد بهويته نتيجة عوامل داخلية وخارجية ، يتولد لديه ما يمكن تسميته بأزمة الهويةالتي تفرز بدورها أزمة وعي Warness crisis تؤدي إلى ضياع الهوية نهائيا، فينتهي بذلك وجوده .

وهناك ما يسمى المفهوم الميتافيزيقي للهوية الذي : يحدد شخصية الأمم والشعوب والثقافات المختلفة بجوهر أو تركيب نفسي عقلي ثابت ، ينطلق منه بصرف النظر عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والفكرية التي تحيط به ، فيعالج مستقبلها ونمط حياتها وكأن هذه الأوضاع غير موجودة أو دون أثر مهم في تغيير أو تعديل أو تحويل ذلك التركيب أو الجوهر ، فهو يفصل الجوهر عن الوقائع والتحولات الخارجية ، بدلا من ربطه به.

ولكن الدراسات السوسيولوجية المعاصرة غيّرت كثيرا في تناولها مفهوم الهوية ، فجعلته أكثر نسبية ، ورأت أنها طرق تفكير وشعور وسلوك متماثلة ومهيمنة نسبيا ، وأنها انتقال لتراث اجتماعي ثقافي معيّن إلى الأجيال الجديدة أو تنشئة هذه الأجيال في إطار خلفية اجتماعية ثقافية متماثلة ، مما يجعلهم يكشفون عن سمات مشتركة فيما بينهم ، كما أنها تعني أيضا : مجتمعا يتفاعل كوحدة مع الآخرين أو العالم الخارجي.

فلا يمكن النظر إلى الهوية بوصفها أمرا ثابتا ، يعصى على التغيير ، وإنما هناك مؤثرات عديدة تؤثر في الهوية على المستوى الشخصي والجمعي، ولابد أن نأخذ في الاعتبار عند الحديث عن الهوية لدى الأمة العربية أنها ليست كلا واحدا في جميع البلدان والأقطار الإسلامية ، بل هناك ثوابت مشتركة ، ومتغيرات بينها، تتمثل في الثوابت المشتركة النابعة من الإسلام ؛ الذي ليس دينا وعقيدة فحسب ، بل هو الإطار الجامع لقيم الأمة وثوابتها ومبادئها ومنطلقاتها التشريعية ، ثم تأتي اللغة العربية كلغة العبادات والعلوم الشرعية والحضارة الإسلامية ، وهي وإن كانت تنتشر في مجموعة البلدان العربية بشكل كامل ، إلا أنها تمثل لغة العبادة والعلوم في الأقطار غير العربية ، ثم تأتي مكونات أخرى مثل : الموقع الجغرافي وسط العالم ، أو ما يسمى الموقع

الوسيط في الكرة الأرضية ، في قارات ثلاث : آسيا وأفريقيا وأوروبا . وهناك متغيرات : تتمثل في الإرث الحضاري الذي يميّز كل قطر عن غيره ، فهناك أقطار امتزج الإسلام بثراها ونفوس أهلها ، وهي ذات حضارات سابقة على الإسلام مثل مصر ( الحضارة الفرعونية والقبطية ) ، وإيران (الحضارة الفارسية) ، والعراق ( الحضارة البابلية والآشورية ) ، والشام (الحضارة الفينيقية) وغيرها . ولاشك أن هذا الإرث له دور كبير في ثقافة هذه الشعوب ، ومكوناتها الفكرية والنفسية والجماعية ، ولكنها استطاعت أن تتشرب الثقافة العربية ، وتساهم بموروثها الحضاري في نهضته .

أيضا ، فإن هناك عادات وتقاليد شعبية راسخة ، انعكست في اللغات واللهجات، وأيضا في الرؤى والتصورات الخاصة ، كما لا بد أن نأخذ في الحسبان أن هناك مؤثرات أخرى مثل بعض العادات والتقاليد الخطأ ، وبعض البدع والخرافات، وهي موروثات يمكن مواجهتها بنشر الثقافة الصحيحة . أيضا تتمايز الأقطار التي يغلب عليها الطابع البدوي أو التي ذات طابع زراعي أو صناعي وتجاري وغير ذلك . ولكن ما يعنينا أن أية نهضة لابد أن تضع معايير خاصة في علاقتها بهوية الأمة والحفاظ عليها ، وعدم تجاهلها .

وعلى ذلك لا تكون الهوية قطرية ولا إقليمية ، بقدر ما تكون متجذرة في أعماق الفرد ، وتشكل وطنه الروحي الذي يلوذ به ، وحدوده المعرفية والتاريخية والفكرية التي يلتزم بها ، وهو ما جاء في تعريف عدد من مثقفي الأمة ، حيث قالوا إن مكونات الهوية العربية تعود إلى ” الثقافة العربية بكل قيمها ومقوماتها وتاريخها وتراثها وموروثها وكذلك ما في اللغة العربية من حمل معرفي وقيم متنوعة عبر التاريخ ، وما لها من فرادة وأصالة وتميّز ، وما فيها من أصول ، وما تعنيه وتستثيره في النفوس من قيم ومشاعر هي بمجملها حدود الوطن الذي نتجذر في أرضه ، ونحافظ فيه على هويتنا ، وننمي فيه بوعي معرفي عصري خصوصيتنا .. ، رافضين كل قطرية وإقليمية وطائفية تقزّمنا أو تقسمنا أو تشوه نظرتنا إلى مواقفنا .

لا تعليقات

اترك رد