القيروان في رواية { راضية والسّيرك } لصلاح الدّين بوجاه [1]


 

{القيروان ليستْ انطباعا متفرّدًا إنّما هي كلّ لا يتجزّأ إنّهَا نبذة من قصص ألف ليلة وليلة، وهي عطر أخّاذ وساحر وفاتن في ذات الوقت }[2] ،كذلك هي القيروان في رواية {راضية والسّيرك} للرّوائي صلاح الدّين بوجاه ، رواية وردتْ في 108 صفحات ، وتتكوّن من ثمانية فصول جاءت عناوينهَا بأسماء أجزاءِ البيت العربيّ ، كالسّقيفة الأولى والثانية و وسط الدّارِ و المجلس الكبير والمقصورةِ و المستراق والخوخة، فكأنّ القارئ يتجوّل في أرجاء البيت القيروانيّ العربيّ.

وأول فصل تبدأ به الرّواية بعنوان :{ الزّقاق} إشارة إلى المكان الذي تقعُ فيه الدّار أو الدّور، والزّقاق ملتقى الجيران ، ومهد الدّار العربية.

الزّقاق: جمالية المكان
في هذا الفصل تنطلقُ البطلة /راضية متحرّكة وسط البيت ، البيت الذي صوّره الكاتبُ بحبر فنطازيَا الكتابة والحلمِ ،فانثال الوصف للمكان واستغرقَ حينًا من دهـر النـّص ،ممّا جعل المكان سندًا للبناء السّردي في الرّواية لا ركنًا من أركان التّـزييّن والزّخرفة ، ف{المقاصيرُ ملأى بمَا لذّ وطاب} و{القسطلُ غائص في رمادهِ الحارّ في ركن من أركان السّقيفة }، والسّقيفة هي الموضعُ الأول الذي تطأهُ قدما الزّائر للدّار وفي ذلك إشارة إلى معمار القصور والدور العربيّة التي تقترنُ فيهَا الهندسة المعماريةّ بشكل بناءِ المجتمع وشتّى ضروب مرجعياتهِ الدّينية والفكرية والاجتماعية ، فشكل بناءُ البيت هو شكل بناء فكر وروح الشخصية العربيّة المتشبّثة بقيم الدّين والعادات والتّقاليد ونواميس المجتمع، بل للمكان موضع في العقل والرّوح والقلب ،فالمكان يمنحُ حركة السّرد حوافز ويفتح لهَا أفق التّنامي مرتبطة في ذلك بتبدّل الحقب الزّمنية ، وقد استعملَ الكاتبُ أسلوبَ الإشارة في وصف المكان ، فالسّرد يتدفأ بالإيماء والتّلويح فيتعلّق القارئ بأستار الرّواية ذات الأفنان ، ويدخلهَا رويدَا رويدَا مكتشفًا،محاولاً فهم الأسباب وتداعيات الأحداث وجوهر القصّة ، وفهم المقاصد الثانوية من المقاصد الابتدائيّة ، بلمس حرارة الأحداث ، ف{هذه الدّار يأتيهَا خلق كثير في كلّ الأوقات …} ولكن {لا يدري النّاسُ متى انفتاحهَا } ، ممّا يجعلُ فضاء الدّار فضاءَ الحركة لا السّكون ، فضاء الحياة ، فينفتحُ السّردُ مع { راضية تميلُ وتستوي في وسط الدّار} ليصبحَ رحلة قد تكسرُ عمودَ السّردَ ، ف{هذا المكان منفتح كباطن حشيّة قديمة بالية تحوي ما لاعين رأت}، ولا ريب فالكاتبُ يصف المكانَ بالمنفتح ويشبّههُ بالحشيّة البالية ، وهنَا يشير إلى الحلم و الانعتاق ،ذلك أنّ الحلم لا يكون أروعَ وأحلى إلاّ عند النّوم أو النّشوة ، فمَا لا تراه العينُ في المكان أحيانًا يقظة تراه منامًا أو انتشاءَا، إنّهَا المدينة :القيروانُ ، {هنَا الرّيفُ والمدينة يمتزجانِ ، ويتداخلانِ ثمّ يتكآفآنِ} ، ولذلك فللمكانُ وجه و قفا، لا اختلاف بينهمَا، مكان متحوّل متحرّك مشحون بالدّلالات والإشارات ، يرمز إلى الحرّية عبر الحلم يقظة أو منامًا ، ويرمز إلى التّواصل والتواشج الاجتماعي في بناء مجتمع المدينة العربية {القيروان} ، إنّهُ فضاء الألفة والانسجام والأنس والدفء لا فضاء الغربة والوحشة والانفصال والانفصام ، وتلاشي الذات والكيان، رغم قسوة الزّمن آنذاك في بداية القرن التّاسع عشر، وحالات الحروب والفزع النّاشئة في الكون والبلدان ، وقد أومأ الكاتبُ صلاح الدّين بوجاه إلى عمق المدينة التّاريخي ومجدهَا ، فانشدّ ريفهَا إليهَا: {هنَا الرّيفُ والمدينة يمتزجان}، رغم ما يحكم العالم الخارجي ، من حوافز الانقسام والتّهميش والتّفرقة والاستلاب ، كالحرب العالمية والفقر والمرض ومرارة الاستعمار ،وانفتاح المكان في وصف الكاتب يشير إلى الحياة ، فالسقيفة باعتبارها ردهة وفاصل معماريّ بين زائر الدّار وبين من فيه ،وهي كوّة انفتاح وانغلاق على العالم الدّاخليّ : {البيت بزواياه} وعلى العالم الخارجيّ : الزّقاق فالمدينة فالكون، كما تذكرنا بجانب من جوانب آداب الحياة العربيّة الإسلاميّة القائمة على الاحترام والاستئذان لما في ذلك من كبير الاحترام للذّوات والحرمات ، ممّا يعزّز الرّوابط ويُمتّنُ العلاقات ويحافظ على التّماسك الأسري والذي هو نواة تماسك المجتمع، وبقدر ما يضغط واقع الزّمن آنذاك على المدينة{القيروان} ، كسائر بلاد العرب ومدائنهم ، لحال الفزع والحرب المستعمر، فالمدينة تتمسّك بعراقتهَا ودورهَا التّاريخي كمدينة ذات أسرار ، تؤثّر في عمّارهَا ، وتمنحهم صفاتهَا ، الصّلابة والحنّو والصّبر والرّأفة والصّمود ، قيم وخصال مستمدّة من أسس انبنائها العربي الإسلامي العريق، مدينة تكون العنصر الفاعل في المتخيّل الذي يبنيه الكاتب بالسّرد ، فيتداول على المدينة/المكان منطق الإنفتاح،وتكشف هذه العلاقة الوطيدة بين المدينة وأهلهَا عن وظيفة ضمنية للمدينة ، مخبأة في ثنايَا الدّلالات ،وظيفة التّأثير في شخصيات عمّارهَا ، من خلال التّأثير في شخصيات النّص وبناء وصقل ميولاتهم وأفكارهم ، وتطعيمهَا من قريب أو بعيد ، وهذا معطى خفي يلمّح إليه الكاتب ، كمَا أنّ الكاتب نجح في توظيف المكان باستعمال الوصف الحسّي للمَشاهدَ ممّا يجعلُ السّرد يتنفّسُ هواء الانفتاح ويأبى الانغلاق،فيسبحُ المكانُ في النّور، وتبرزُ ملامح الأشياء ، وتنجلي الأحاسيس والهواجسُ {وصدى أغنية قد تسرّبت من الأقبية البعيدة ، تسبغُ على الرّحبة ألقهَا الباقي: {الورد قدّاش مزيان في يد طفلة جميلة ..والقلب قدّاش نشوان من عين ظبية كحيلة}[3].

إنّ الرّوائي صلاح الدّين بوجاه قد قدر المدينة حقّ قدرهَا،بمعالمهَا وجغرافيتهَا واجتماعياتها التي لا ينتبه إليهَا كثير من الخلق ،بجمالية الحبّ المرسوم بزقزقة العصافير ونسمات الفجر الفوّاحة ، بليالي السّمر ودبيب الحياة في أروقة الأسواق والدّكاكين ، وبأسرارهَا السّميكة الصّلبة الدّقيقة الرّقيقة رقّة العاطفة والشّعور، إنّهَا عجائبيّة التّكثيف في متون الفكرة وتجاويف المفردات التي أتت تسعَى لتصطفّ في جمل حبلى بكونٍ روائيّ يـُعيد تأسيس صورة المدينة بجنّة الأبجدية ، فتتحرّك المدينة في ذهـن وخيال القارئ ، فيتحرّك القارئ /السّاكن ويتحقّق الوجود بالأفكار والعواطفِ ، وتتمطّى المدينة في الحياة ، وتتواصل رحلة الوجود ،وَصْـلٌ من دون فصل، فيعلـن المعلنُ ، وينشرح المسكوت عنهُ ،من هنَا تتّضح فكرة الهوّية داخل البيت بأجزائه: السّقيفة والمجلس والمقصورة والمستراق والدّهليز والخوابي والسّطوح ..، وخارجهُ : أيضًا في الأزقّة والمواقع الأثرية والزّوايا والحمّامات والأسواق والأحياء والمساجد وجامع عقبة بن نافع والبطاح، فالكاتب صلاح الدّين بوجاه بقدر ما حافظ على حضور المدينة بتاريخهَا المتمثّل في معالمهَا وهندسية المعمار وهندسية الذّات إلخ، بقدر ما أوضح معنَى الهوية الذي يسكن صورة المدينة المتحرّكة دائمًا، وذلك من خلال حركة أبطالهَا في الرّواية ، وحركة السّرد في النّص ، كأنّه رسّام بريشته يهشّ بهَا على الألوان لتؤدّي الألحان ألحان أغاني الحياة الأصيلة ، إنّهُ أشار إلى جوانب الحياة الاجتماعية العميقة الرّفيعة، بعناصرهَا ومشاغل أصحابهَا،وجعل من مشاهد وصف المكان ، ومشاهد وصف بواطن شخوصه وحركاتهم وأفعالهم ومواقفهم في النّص، تشكيلاً فنّيًا لا يخلو من دلالات فكرية للكاتب تتلاءمُ معَ البناء التّخييلي ومنطق السّرد.

المدينة/الهوية /الإنتماء:
الجزئيات التاّفهة والمنسيّة التي تنشأ في المدينة أو التي جاءت من أقصى المدينة ، التقطهَا صلاح الدّين بوجاه فأحسنَ صورهَا بأدقّ تفاصيلهَا، بل بتفاصيل التفاصيل، وآية ذلك أنّك تجد نفسك أمام شاشة فيلم سينمائيّ للمدينة بحرقوس اللّيل وحنّائه ، وهمهمة النّهار يتجلّى بسحر ضوئه وسلطان المواقيت، نهار اليقظة والاختلاط ، والأخذ والعطاء والبيع والشراء والرّبح والنّماء،نهار الحريّة والجهاد والحلم ، فالكاتبُ يوظّفُ اللّغة ويكتب بعمق ، يحفر في المخفيّ،ويداعب الرّوح والذّاكرةَ،حفرًا فنيًّا برؤية للمكان متوازية مع المدى السّردي ، مرتكز على بنية تخييلية هي إبريزهُ {لأنّ الرّوائي الحقيقي يشعرُ أنّ البنية التّخييليّة هي عالمهُ الفعلي ،ويرغبُ في أن يوجدَ داخلهَا ، بل يرغبُ في ألاّ يوجدَ إلاّ داخلهَا}[4] ،إنّهُ لا يترك لك فرصة التّوقف عن القراءة ، تجدك منشرحًا لرحلة السّرد وروعة الوصف وحبكة الرّوابط ،وعجائبي التعبير، وعمق الخيال و التشويق. يتحدّثُ عنك حينمَا يتحدّث عن أبطاله وينتقل بك من صورة فنيّة إلى أخرى فيهَا من الصّور الشعرية الكثير ومن الحقول الدّلالية الأكثر، فالسّرد حبال منعقدة ومعان متضمّنة فيهَا لذّة وإمتاع ، فهو القوت للفكر والروح ورقائق الحكم وحقائق الحاجات ، فمثل هذه الرّواية إذا نظرَ فيهَا القارئ أطالت إمتاعهُ ،وأوقدت أسئلتهُ، وبجحت روحَـهُ، لأنّكَ حينمَا تقرأهَا تجد نفسكَ في مدينتك تجوبهَا رغم أنّ الفواصل الزّمنية كبيرة بين تاريخ أحداث الرّواية والزّمن الحاضر، وسببُ ذلك استخدام الكاتب للخيط الرّابط بين القارئ والمدينة ، خيط الهويّة/الانتماء ،فالإنسان ضعيف بلا مدينة بلا صحب ولا أهلٍ بلاَ تاريخ ولا ماض عتيد، لا يُمكنُ لهُ أن ينمو بالغربة والتّشرّد في غياب المدينة/الأهل / الحياة / الوجود ، فالمدينة هي الحياة ، ولأنّ الحياة بمثابة المعركة تستوجبُ الجهاد والعدّة والعتادَ فالمدينة ساحة هذه المعركة وأهل المدينة هم الأنسُ والعزّ والأمانُ والحضارة والرّقيّ والشجاعة والأمل ، بل بالمدينة وأهلهَا تسري الشجاعة في الدّم، وتتوالد الأفكار ويدرك الإنسانُ ما لهُ وما عليه ، وإنّ هذا الاستخدام الجيّد لروح الانتماء لَـَعـَمـَلٌ محمود في تقديرنَا ، لأنّنا نستشفّ جُهدَ الكدّ والجدّ الذي ميّز كتابات صلاح الدّين بوجاه {فالإنسانُ دائمًا مَا يُبدعُ هويته عندمَا يُبدعُ حياتهُ وفكرهُ}[5].

والحديث عن المدينة يشدّ القارئ ليجعلهُ في رحلة كشف لذاته وكيانه باقتفاء أثر كلّ حدث يقع في البيت والمدينة {القيروان} ، لأنّ الكاتب اتخذ من التّراث والتّاريخ والهوية عناصر قوّة لروايته، وهنا تبرز صورة الدّار/البيت ، الصّحيحة ، فالدّار هي المخزن {المقاصرُ ملأى بما لذّ وطابَ} وب{شرائح اللّحم}.

كمَا تتوضّح شخصيّة الزّقاق العربيّ والذي هو ممرّ ضيّقٍ، هندسهُ أهل المدينة في البناء ، وأهميّة ضيقه تكمن في صعوبة ولوج العدّو إلى الدّيار والبيوت في حال الحرب، وكذلك لمَا في ملتويات الأزّقة من انتشار السّتر والحجب التي تمنعُ عين الرّقيب والحاسد ، عند حركة النّاس في النّهار إذا تجلّى بضيائه وإشراقه وفي اللّيل إذا سجى وسكن فأظلمَ وادّلهمّ ، ليل العّوادة والحفلات والسمر والحركة ، كمَا حصلَ مع ساسي الفريقي وحسين سيدهم ورضوان اللّصيص الذين يدركون سرّ نقر العوّادة الحميم القديم ، هؤلاء بوصف الكاتب أصحاب اللّيل وعشّاقهُ وكيفَ لا وهم يعيشون في مدينة القيروان القديمة التي لا تملك بحرًا بأبجدية البحر وقواميسهِ ولغته وأسراره ، ولا تملك صحراءَ النّخيل ولا روعة النّوق والخيام ، ولذلك اختار الكاتبُ لأبطاله السّمر في دار راضية وأختهَا مريم، هذه الدّار التي هي ملاذ الرّوح وحمّامهَا ، واعتادوا على ذلك ، ف{في كلّ شهرٍ عوّادة بل في كلّ أسبوع أو تكاد}، والعوّادة تسمية للفرقة العازفة للموسيقى ، ولكنّهَا تعني في القيروان {سهرة عزف موسيقيّة}. فالكاتبُ يوظّفُ هذه التّسمية القيروانية، ليشير إلى خصوصية أخرى للقيروان في مجال الفنّ والموسيقى ، ولئن احتفى الشّعراء القيروانيون بمدينتهم مثل المنصف الوهايبي ومحمّد الغزّي وحسين القهواجي في أعمال شعريّة و أعمال قصصية للكاتب صلاح بوزيّان،فيهَا أفانين التّعبير الممزوج بعطر الرّوح وشذى المحبّة للمدينة ،وسمات الحداثة وما بعدهَا ، فإنّ الرّوائي صلاح الدّين بوجاه استطاع في روايته هذه أن يصّور جمالية هذه المدينة الخالدة ،في رحلة الشتاء والصّيف ، رحلة الماضي والحاضر، فنرى القيروانَ بعذوبة إنبائها وهدوء العيش فيها وعمقهَا التاريخيّ ، فالكاتبُ َ يمرقُ عبر الشّخوص وأروقة المكان إلى ذات المكان ليستعيد القارئ الإحساسَ بالمكان وينعم بلذيذ الماضي والحاضر وينشد المستقبل ، كمَا يمنحُ الشخصيات حريّة العمل /الحركة، فهي شخصيات متحرّكة فاعلة في أحداث الرّواية بل هي سند رئيسيّ في مسار السّرد ، كاشفًا بذلكَ حياة سكّان المدينة، مبرزًا عمق الرّوابط التي تشدّ الأبطال إلى هذه المدينة مثل سكّانهَا في الواقع المعيش، مانحًا لأبطاله فرصة فعل الخوارق ، بمَا يجعلُ روايتهُ عملاً غيرَ مبتذلٍ ولا شبيه بجدولِ الأعمالِ اليومية الرّتيبة ،بل هي كتابة روائيّة حديثة، تبرز معالمهَا مثلمَا تبرز معالم مدينة القيروان العربيّة ، فالكاتب يُحاول بناء عالم حكائيّ مختلفٍ بالبساطة ف{أداة التّوصيل المُثلى هي البساطة ، أقول البساطة لا التبسيط، ، ومعنى هذا أنّنا يُمكنُ أن نكتب بأرقَى لغة ممكنة ، وأكثرهَا شاعرية، ونظلّ نحافظ على البساطة التي لا يجيدهَا إلاّ المبدعونَ الحقيقيونَ }[6] ، وسط هندسة مكان تعبقُ بعطر التّراث والتّاريخ ، يجرّب بنضج أدبيّ وفنّي وبامتلاكه لمخزون ثقافيّ ثريّ غنّي ، وبعشقه الكبير للمدينة بخصوصياتهَا المتعددة وعندئذ{ تتشابك هندسة المكان مع هندسة المعرفة في رواية { راضية والسّيرك}تشابكًا شديدًا .فتدلّ كلاهمَا على الأخرى . وإذا كنَّا بإزاءِ أمكنة متعدّدة وحركة دائريّةٍ … فإنّ المعرفةَ تتلوّنُ بتلك الأماكن ، وتتبنَّى {دائريّةَ الرّحلةِ} ، فإذا المكانُ دهاليزُ لا تؤدّي إلى غايةٍ ، وإذا المعرفةُ طلاسمُ وأوهامُ…}[7]، لا متناهية إنّهُ يثري أبطالهُ بالهالة والسّحر ، هالة وسحر المدينة ، مدينة ساهمت في تكوين مزاجهم كما ساهمت في بلورة شخصياتهم وميولاتهم ،و صانت طفولتهم ، وذكرياتهم ،وألهمتهم القوّة والشجاعة وأعانتهم على فهم الحياة ، فهي الأمّ و فضاء الرّوح والذّات ومهد الذّكريات .

السقيفة الأولى :
حومة الجامعْ/ حمّام سيدي عبد الله /مقام سـيدي عبد القادر:
في هذا الفصل يلوح الفجر ، ويعجعج البخور من مجامر ريم ودرّة ، داخل البيت الذي يقع في حومة الجامع العتيقة ، هذا البيت الذي يتكوّن من مجلس كبير ودهليز يحتفي بالحرقوس وأصباغ ، هو بيت للعيشِ وللنّزهة وللسمر وللزينة وللمؤونة وللأسرار وللصّفقات وللموسيقى غذاء الرّوحِ ،هذا البيتُ محراب للولادة وللتّنشئة و للعبادة ، و منارة تبحر منهَا الذات في خفايا الحياة لإدراك مبهمٍ وتأسيس معرفة وتحقيق انتصار ٍوالتّمتّع بعشقٍ، إنّهُ عالم مستقلّ بذاته ، إنّهَا تفاصيل حياتنا العربية ، حينمَا نستعدّ للحفل / الزّفاف وحينمَا نروّح عن النّفوسِ وعندمَا نعيش بأنفة ماضينَا المشرق ، ونبني حاضرنَا ومستقبلنَا لا بغرور لذّة الإنتصار وهيبة المجد ولكن بالعبر والإقتداء بالسّلف ، ونغنّي أغنية الحياة لا للّهو والعبث ، ولكن للتّأسيس ومواصلة الرّحلة بحفظ أمانة الاستخلاف في مدينة/وطن، ومدينة/البيت أيّ الأسرة أيّ المجموعة والأفراد ، ولقد أوغلَ الكاتبُ في الوصف فجعلهَا صورًا كأنّها حبّات ماء تبللّ جفافَ الرّوح وشوقَ الكيانِ ،فكأنّك بالمدينة تنتصبُ أمامك بمهارة وصف الكاتب، فاستوت المدينة بستانًا يعجّ بالورود والأزهارِ والرّوائح الطّيبة السّاحرة ، بمَا يجعلُ ذاكرة القارئ لا تنسى بل ترتوي من المدينة وتاريخ المدينة وكيان المدينة ،وتقرأ السّطورالخفيّة الكبرى في دلالات المدينة، ففوق سطوح الخضراوين وباب القدّة ونهج سيدي عزّاز، وهي أحياءُ في المدينة العتيقة/القيروان ،أحياء لا بجدرانهَا وقبابهَا وأزقّتهَا بل برموزهَا وما تحمله من معاني فتنشأ بهَا أحياء في الرّوح والقلب ، أحياء الأمل والشجاعة والوفاءِ والإبداع والخلقِ، أحياءَ اللّينِ والحبّ ،إذ هي رمز التّاريخ /الماضي ، ماضي الفرد والمجموعة ، ومنْ لا ماضي لهُ فلا حاضرَ لهُ ولا مستقبلَ لهُ ، ذلك أنّ الماضي يحقّق الهويّة والانتماء ، فالمدينة بمعالمهَا هي الماضي والتّاريخ، تاريخ الفرد والمجموعة ، تحفظ الكيان وتحقّق الوجود ، فالقيروانُ ليستْ جزء من تاريخنَا بل هي تاريخنا وهي الباب الكبير لبلدان المغرب العربي وللأندلس، هي الأمّ لكلّ هذه المدائن ،وهي مصدر ثروة كلّ هذه المدائن أليست فاس محاولة لقيروان ثانية بعشق الأولى ؟ مدينة القيروان التي تأسّست على يد الرّجال الأفذاذ ، والمعسكر الكبير لجيش الفاتحين ، الذين جاؤوا ناشرينَ لدين الإسلام السّمح ليُعيدوا ترتيب هذه الرّبوع بنور الإسلام والإيمان ، وبالحضّ على طلب العلم والتّفنّن فيه واكتساب المهارات والفنون والتّعمير والتّشييّد والتّنظيم والهيكلة ،لذلك تأسسّت مدينة القيروان بصدق النّوايَا ونقاءِ السّريرةِ مع الذّات ومع الله تعالى ، وماذَا بعدُ؟ لذلك هي ماكثة صامدة ، صوّرهَا صلاح الدّين بوجاه بنسمات الفجر اللذيذة الرطبة ،التي تنسابُ من السّهول المحيطة بهَا، فتُغذي البطلَ حسن كمَا تُغذي أهل المدينة في كلّ زمان، بالنّور المنبثق ، والضّوء ووضوح الرؤيا والرّؤية ، بشحذ الهمم لاكتشاف جديدٍ ، وابتكار فكرة ، فيتعمّق حبّ الحياة ، وتكبرُ الثّقة في الذّات والكيان ، وتمتلئ خوابي الرّوح والفكر بالزّاد مثلمَا امتلأت خوابي المونة والتي هي جِرَارُ المؤن، {هنا نور وظلمة ، وهنَا غبطة هادئة …ونداء الفجر يترقرقُ موقّعًا داعيًا : حيّ على الفلاح …الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلاّ الله }[8].

إنّ الكاتب يهتمّ بالمدينة في ليلهَا ونهارهَا ، فقد وصفهَا في ليالي السّمر والسّهرات الممتدّة إلى حلول الفجر وكذلك و هي تستيقظ ، هذا مشهد الفلاحين وقد دخلوا المدينة من باب تونس وحطّوا بالرّحبة ، بعرباتهم المحمّلة بالغلال والثّمارِ ، إنّه إشارة إلى بداية الحياة /النّشاط في المدينة ، وعمق علاقة المدينة بريفهَا عمودهَا الفقري وسيفهَا الذّهبيّ ، وبلاطهَا المعمور ، فلا تصخبُ المدينة إلاّ بمجيء الفلاّحينَ { المدينة تتمطّى ، يدخلهَا الفلاّحونَ وعرباتُ الغلال وخضر الحقول فتصخبُ الدّروبُ وتمتلئ الشّوارعُ وتختلطُ العناصرُ …ثمّ تبلغُ الشّمسُ أوجهَا} ذلك هو شأن القيروان العربية التي تحتفي بتاريخها وأصالتهَا وتحفظ ريفهَا ،فهي في رواية {راضية والسّيرك} مدينة مجيدة ومتجدّدة بتراثهَا .

جنّة المدينة العربيّة/جنّة العشق العربيّ :

جنّة كجنّة العشق العربيّ الذي يتّصف صاحبه بالحياء والخجلِ كحَسَن بطل الرّواية ، الذي عشقَ مريمَ ، وكان يصلى نار حبّهَا فــ{ يبقَى ساعات موثقًا إلى خشبة عذابهِ ، داعيًا الوجود بأسرهِ ، داعيًا الصّمتَ ونسمةَ الفجرِ وعصفورَ القباب… حيّ على الفلاح ، الله أكبر ، لا إله إلاّ الله}[9]، ومريمُ المعشوقة تحلّق بين الأزقّة والممرّات ، من زقاق إبليسَ الأشدّ ضيقًا و التواءًا ، وعبرَ سطوح المَرِّ وخلوية الشّيخ عبد القادر الجيلاني ، فالكاتب يذكر الأماكن الأحبّ إلى قلبه وإلى قلوب أهل القيروان وإلى قلب كلّ عربيّ ، مرّت بها مريم ، كأنّهَا خطّافة أو عصفورة يتعقّبهَا المحبّ ، خَجِـلة فاختبأت وراء حبال الغسيل فوق حمّام سيدي عبد الله بن أبي زيد القيرواني الفقيه العالم ، والكاتب يشير إلى المعالم الدّينية والتي هي مكوّن من مكوّنات مدينة القيروان ، مثل خلوية الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ شيخ الطّريقة القادرية الذي كثُرَ أتباعه ومريدوه في ربوع القيروان والبلاد التّونسية وبلدان المغرب العربي وبلدان العالم ، {وليسَ حرص صلاح الدّين بوجاه على إبداعِ بدائع فنية جمالية مغايرة إلاّ دليلاً على وعي الرّوائي بأنّ جهوده تقعُ تحتَ سلطة التّاريخ الثقافيّ والأدبيّ ، فضلاً على وقوعهَا تحتَ سلطة الواقعِ ، بمَا فيهِ من تحوّلاتٍ .. وسعيّ الرّواية إلى نفضِ الغُبارِ عنِ الذاكرةِ المكانيّة والزّمانيةِ}[10] ، كما يشيرالكاتبُ إلى أسواق المدينة ، هذه الأسواق المنتظمة وفق قوانين أهل الحرفة والصّنعة ، {فوق أقبية سوقِ السّكاجينَ والسّراجين والبلاغجية تكادُ تقعُ فوقَ “جامع معلّق” وتتخطّاه نحو حومة الباي وحومة الشّرفة …. حتّى خيّل إليهَا أنّهَا تطيرُ فوقَ سطوحِ المدينةِ كلّهَا } فبحرارة العشق العربيّ يطير العاشق بخياله وأحلامهِ مثلمَا حدّثتنا الكتب القديمة كطوق الحمامة ، ويطير المعشوق ليتجوّل في رحاب المدينة ويفضفض قليلاً عمّا يحدّثه الفؤاد ، فمريم /المعشوقة حوّلت هلع المدينة مرحًا وسرورًا بعد أن ارتوت بالعشق لأنّ { لاشيء غير الجمال بقادر على أن يجعلَ العالمَ بأسرهِ سعيدًا}[11]، جمال البيت وأهله ، وجمال مدينة القيروان وسكّانهَا ، و هكذا العشيقان داخل المدينة العربية بصورتهمَا الجميلة ، ورع وحياء ، فعاشقهَا حسن {يظفرُ عندهَا بلينٍ وحياءٍ ما عهدهما فيمن حولهَا }[12]، فنجد المدينة كائنًا حيًا، تتنفّسُ في أرواح أهلهَا وتصنعُ الواقعَ ، ومثلمَا اعتنَى الرّوائي صلاح الدّين بوجاه بمدينته القيروان التي لهَا وقع في تاريخ البشريّة، اعتنت الشاعرة غادة السّمان بمدينتهَا دمشق الرّائعة في {عاشقة في محبرة }[13] :

{تزوّج الحنانُ من الحجر فولدتً بيوتُ
تنحني على أهلهَا كرحم،
في أزقّة ، متلاصقة الشفاهِ كهمسِ العشاق
قربَ باب توما والشاغور والقصاع
وسوق السّاروجة والذّهبِ الضّوئيّ يسيلُ
من قباب الجامع الأمويّ وستّي زينب ومن جرس
كنيسةِ القدّيسِ بولص وآثارِ أقدامهِ إلى روما
دمشقُ زهورُ الوردؤ الجوريّ في خدود
صبايَا يقاتلنَ طواحين الهواءِ ويربحنَ الخسارةَ المضيئةَ.،}

قصيدة ثريةّ برموز تتّقد بالدّلالات والمعاني التّاريخية للمدينة “دمشق”،شأنهَا شأن رواية “راضية والسّيرك” التي تكتنز بوهج تاريخي ، فالسّرد يحملُ ألفاظ ذات دلالات تاريخيّة تشير إلى أماكن ذات بعد جمالي وديني وفكري وروحيّ ويكشف مفاتنهَا ، والكاتبُ صلاح الدّين بوجاه يكشفُ عن جلالة مدينة القيروان بطابعهَا المعماريّ المرئيّ والمستند على خلفية ثقافية عربية إسلاميّة من خلال الأفعال الجليلة التي وقعت وتقعُ في هذه المدينة ، فــ{ الأفكارُ والفعالُ تتّصفُ بالجلال أمّا الأشياءُ المرئية فلا تصبحُ جليلة إلاّ عن طريق التّمثيل والإيحاءِ}[14].

السّــقيفـة الثّـانـية :
في هذا الفصل تجدّفُ بك سفينةُ إبداعُه{ صلاح الدّين بوجاه} نحو عواملَ التّراث السّرديّ فتشتمّ منهَا عبق المخطوطات وكتبَ التّراجم وأدب الرّحلة وتجنّح بكَ لتحملكَ إلى مجرّات مظلمة من العبث والسّريالية فتتقلّبَ في مناخات كابوسيّة تذكّرك بعوالمَ كافكَا وترمي بك أحيانا في عجائبيّةٍ غريبةٍ تبقَى عندهَا مشدوهًا هل أنتَ عندَ ماركيز أم في جرابِ السّندبادِ … أم أنتَ بطل من أبطالِ المخيالِ الشّعبيّ … تكرعُ من نهرِ الأسرارِ وعوالمِ الغيبِ} [15] ،كمَا أشار الكاتب إلى الفنّ القيروانيّ بأغاني الفنّان المرحوم الصّادق ثريَا التي تردّدهَا البطلة “زوجة النّوري” ، وبعد السّقيفة الأولى والثانية في حمّام الرّحبة ،نعم تحدّث الكاتبُ عن الرّحبةِ في الفصل الرّابع {وسط الدّار}، فقد {..عادت إلى الرّحبةِ نضارتهَا ، وأقبلتْ على الدّنيَا تؤدّي دورهَا القديمَ ، هذا حيّ اختزنَ تاريخَ المدينة : أفراحهَا ، ومرورَ جنازاتهَا … والحربُ العالميّة الثانية بقيَ طعمهَا حاضرًا في شكل ندوبِ وجراحْ تأخذُ الرّوح وتُدمي البدنَ وتُرسلُ النّفسَ شتاتًا…} و بطل الرّواية {ميمون عرفَ ذلك كلّه، وما هو دونهُ ، وما كانَ أخفَى}، كذلك كانت الدّنيَا/الحياة جديدة متجدّدة ولامعة تبهجُ الرّوح وتشدّ الفكر والكيانَ، وسط المدينة كمَا صوّرهَا صلاح الدّين بوجاه{ لعبة ماناج كبرى} و {الماناج جديد لامع}[16]، وعبر القرقابية وجامع الزّيتونة وربط الصّفيحة وربط الحديد والمنصورة وحيّ محمّد علي ونهج صفاقس إلى مقبرة الجناح الأخضر {كما سمّيت منذ القديم }، مقبرة قريش التي تحفظ في تربتهَا الأشراف و الصّلحاء والعلماء والمربّين والمجاهدينَ والشهداء ، ومقبرة قريش مَعلم من معالم مدينة القيروان ، ولهَا كلّ الاحترام في قلوب أهل المدينة و أهل المغرب العربي ، مقبرة حَوَتْ رفات زينب ابنة عبد الله بن سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنهُ ، ورفات البهلول بن راشد ، وكثير من كبار العلماء وكبار الصاّلحين.

وتتواصل أحداث الرّواية في المجلس الكبير ، حكايات ومسامرات {في ليالي الشتاء الطّويلة}، و{حينَ يشتدّ الحرّ فتنفتحُ على المدينة نيرانُ شهر أوت } أغسطس/آب ، وتظهر المدينة ب{أكداس الطّعمة المصبوغة ، والصّوف الذي لم يُعالج } ولكنّ صلاح الدّين بوجاه عالج مدلول الصّوف الذي هو تشبّث أهل المدينة بصناعاتهم التّقليديّة مورد رزقهم وإرث الأجداد الذي لا يمكن إهمالهُ بكلّ العَـرَقِ/الجهد وكلّ الأمـل/الضحك الذي يعلو ، بل كلّ بيت فيه زربية بقوائمهَا الخشبيّة، وبرنُسًا، ف{أكداسُ الطعمة المصبوغة،و الصّوف الذي لم يُعالجْ بعد ، ملقاة هنَا وهناك، والعرقُ كثير.،والضحكات تعلو}[17].

وفي الفصل السّادس {المقصورة} وبجواب الخادمة السّوداء عن تساءل سرغين الصّباغ ، يشير الكاتب إلى زاوية الشّيخ عبد القادر الجيلاني المحبّبة إلى نفوس السّكان ، فلقد كان {ميلاد راضية في غرفة والديهَا داخلَ زاوية سيدي عبد القادر الجيلاني}، كمَا { أخذ ميمون النّجار وصحبه ، جماعة الفرناق ، وجماعات بابَ القدّة ، وخلاّن راضية الجمّالي … يفكّرونَ في الرّجوعِ إلى المدينةِ } منشغلون بالعودة/ الحنين إلى الأصل، إلى الحياة وفي الفصل السّابع {المستراق} ،{رجعتْ الجماعة إلى الرّحبة بعدَ انضمام حسن ،فعادت إلى الفرناق نضارتهُ …}، والرّحبة قلب المدينة وقلب الحياة النّبض حياة الأبطال ، وحياة السّكان ، الرّحبة أين الحوانيت ، حوانيت السّفنج والكفتة والمكسّرات والخضر والغلال والمقهَى الكبير…،فتفكير الجماعة في العودة إلى المدينة تفكير في العودة إلى الحياة إلى الانتماء إلى الوضوح ، والتّخلّص من التّيه والضّياع الذي ذاقوه خارج المدينة ، فالمدينة هي الحصن وهي الحماية والحفظ والعزّ والأنس والأمان والوحدة والألفة ، وهي الوطن والتّاريخ وهي {الأنا أفكّر أنا موجودج ، وهي القدرة على الفعل والحركة بعيدًا عن العجز والضّعف والهوان ، ويجوب ميمون{ سوق لمّاجل حيثُ المخازنُ والدّكاكينُ } وفجأة نجد { النّاس يتوافدونَ والماناج يملأ ويفرّغ مثلما تقول راضية} إنّهَا راضية والماناج أو راضية والسّيرك الدّخيل على المدينة ، ولكن بهِ {ظهرتْ النّعمةُ على الوجوه}[18] ، ولعلّ السّيرك وجه من وجوه الحداثة والانفتاح وراضية هي الدّنيَا والسّيرك هو الحياة ، لعبة تتواصل في رحاب المدينة بالإعياء تارة وبالحلم والنّشاط تارة أخرى.

ومع هذه الرواية جعل الكاتبُ شخوصهُ وحكاياته وتأملاّته داخل فضاء المدينة وتتحرّك فيه ، لتنطلق الأسئلة الأنطولوجية و الأركيولوجية ، أسئلة {الأنا }، وليس مع هذه الرّواية فقط يشتغلُ النّضج الفنّي لصلاح الدّن بوجاه ونستشفّ ثقافته الواسعة بالتّراث العربي والعالمي، بل {…مع كلّ رواية جديدة يبدوُ صلاح الدين بوجاه كأنّهُ يرمي الكتابةَ إلى التّهلكة ، بمـَا هي مغامرة وتجربة يتحوّلُ فيهَا النّص السّردي إلى مختبر كبير }[19]، ممّا يجعلُ أعمالهُ تتصادى وتتقاطعُ مع نصوص عالميّة استوحت أسئلة الكينونة والوجود ، وموضعت الإنسان في سياق التّأملات العميقة والإستشرافية ، في عالم غريب وعجيب وموغل في متاهات السّفسطة والحيرة أحيانًا والجنون والفظاظة والعنف أحيانًا أخرى والغموض والصّلابة أيضًا ، ممّا جعلَ أسئلة الحرية والهويّة والأرض والمدينة والوطن والحقوق والعدالة والجوع والفقروالإغتراب والجنس والغرام ،تتكثّفُ وتنبتُ ويشتدّ عودهَا و تتوالد وتطفو كرسالة تلوى الرّسالة على سطح ماء البحر تحملُ الاستفهام وتبغي الوضعَ .

ولم يتشبّث الرّوائي صلاح الدّين بوجاه بطريقة معينة في الكتابة ، رغمَ أنّهُ مستوعب لإرثين في السّرد التّونسي متعارضين ، سرد محمود المسعدي والبشير خريف، لأنّهُ يمتلك الوعي النّظري ، ولا أقصد بالوعي النّظري استيعاب نظريات الرّواية وتاريخهَا ومنجزاتهَا ، بل أقصدُ علاقة صلاح الدّين بوجاه المتينة والدّائمة والقلقة بكتاباته وممارسته لفعل الكتابة الرّوائيّة ، وبين ما يحصدهُ ويستنتجهُ في تجارب حياته وقراءاته المختلفة والمتنوّعة ، وبين ما يتخيّله ويحلم بإنجازه ويتوق إلى تشيّيده بأشكال جديدة ، فبهذا الوعي النّظري يُخضعُ كتاباته للمتابعة والتّأمل والمقارنة ، ليكتشف إمكانات جديدة للتّحقّق النّصي غير التي حقّقهَا ، إنّهُ البدء الدّائم بكتابة تبدأ دائمًا ، إنّه وعي صلاح الدّين بوجاه النّظري الذي به استطاع اكتشاف مناطق أخرى وزوايا ، وطرائق لتجويد النّص الرّوائي وصقله وإثرائه شكلاً ومضمونًا ، ممّا جعل روايته هذه ورواياته ، الأقرب إلى الرّواية العربية المتحوّلة ، روايات مسكونة بقلق الإنسان وأسئلته ومعطّرة بغلائل البوح الصّوفيّ ، وسحر الشعر، عبرَ لغة تُؤْثر رحابة صدر الحياة على سجنِ التّردّد .

وهذه مدينة القيروان في رواية صلاح الدّين بوجاه “راضية والسّيرك” جميلة مغرية فاتنة وودودة وحنون ، شامخة صامدة وصابرة ، عريقة قديمة أبيّة قويّة ، لهَا مع التّاريخ قصّة غرام ،بينمَا {…تتشابك هندسة المكان مع هندسة المعرفة في رواية {راضية والسّرك}تشابكًا شديدًا . فتدلّ كلاهمَا على الأخرى . وإذا كنَّا بإزاء أمكنة متعدّدة وحركة دائريّة…فإنّ المعرفة تتلّونُ بتلك الأماكن ،وتتبنَّى {دائريّة الرّحلة} ، فإذا المكانُ دهاليز لا تؤدّي إلى غاية ، وإذا المعرفة طلاسمٌُ وأوهام…}[20] كذلك هي القيروان ، و كذلك وجدنَاهَا في كون صلاح الدّين بوجاه الرّوائي ، تعطفُ وتحنّ لأنّهَا{ نبذة من قصص ألف ليلة وليلة ، وهي عطر أخّاذ وساحر وفاتن في ذات الوقت } عطر القرآن الكريم وألواح العلم وفعل الأمر{اقرأ}.

ولكنْ ما هو السّرك ومن هي راضية ؟

[1] رواية راضية والسّرك للرّوائي صلاح الدّين بوجاه الطّبعة الأولى دار الآداب بيروت 1998 .
[2] الكلام للرّسام الأوروبي الشهير{ بول كلي} حينما زارَ البلاد التّونسيّة في بدايات القرن 1914 .
رواية راضية والسّرك ، لصلاح الدّين بوجاه ، طبعة دار الآداب بيروت 1998 ، ص: 14 .[3]
[4] كلام للناقد صلاح الدّين بوجاه /الحياة الثقافية العدد 203/ص/ 97 . ماي 2009
[5] غالي 2001 عالم الفكر العدد3/ المجلّد 37 /2009/
6 حنّا مينة / هواجس في التّجربة الرّوائية ص:11/ طبعة دار الآداب بيروت ، الطّبعة الثالثة 2000
[7] كوثر خليل ، كاتبة تونسيّة.
[8] من الرّواية المذكورة ص/ 21 .
[9] الرواية ص/ 23 .
[10] عمر حفيظ / مجلّة الحياة الثقافية .
[11] فريدرك شيلر ، في التّربية الجمالية ، ترجمة وفاء ابراهيم ، الهيئة المصرية العامّة للكتاب ، 1991، ص 295 .
[12] الرّواية ً/ 24 .
[13] {عاشقة في محبرة } لغادة السّمان ، منشورات غادة السّمان بيروت لبنان 1995، ص/14/15/16 .
[14] جورج ساننينانا : الإحساسُ بالجمالِ / ترجمة محمّد مصطفَى بدويّ مكتبة الإنجلو المصرية القاهرة ص255 .
[15] كمال الرّياحي مجلّة الحياة الثقافيّة .
[16] في الرواية ص/41 .
[17] في الرّواية ص/64 .
[18] في الرّواية ص/ 91 .
[19] نبيل سليمان {روائي سوري} الحياة .
[20] كوثر خليل {كاتبة من تونس}

Garanti sans virus. www.avast.com

المقال السابقرواية خالدة
المقال التالىmbc العراق
صلاح بوزيّان كاتب وقصّاص و صحفي . أستاذ اللّغة العربيّة .من مواليد 1970 بالقيروان . تونس . بدأت الكتابة القصصيّة مبكّرا منذ 1986 ونشرت نصوصي آنذاك على أعمدة جريدة الصّدى التونسية والصّباح وصباح الخير ونلت عديد الجوائز . عضو اتّحاد الكُتّاب التّونسيين . عضو النّقابة الوطنية للصحفييّن التّونسييّن . أ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد